التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رواية زوج الأم / الفصل الأول

 


زوج الأم: الفصل الأول



عندما كان جونغكوك في الصف، كانت الأصوات مرتفعة والطلاب يتحدثون مع بعضهم ويحاولون تبادل الإجابات. أما هو، فكان هادئًا، يقف خلف مكتب المدرس ويجمع أوراق الاختبار بهدوء.

بعد أن انتهى من جمع الأوراق، توجه إلى غرفة المدرسين ليأخذ أغراضه، لأن الحصة الأخيرة كانت قد انتهت بالفعل.

في تلك اللحظة، دخلت أستاذة التاريخ إلى الغرفة، وما إن رأت جونغكوك حتى قالت: «جونغكوك، هل أنت ذاهب إلى المنزل؟» توقف قليلًا، ووضع آخر الأوراق داخل حقيبته، ثم نظر إليها بابتسامة خفيفة وقال: «نعم، أسترين. هل هناك شيء؟»

ترددت أستاذة التاريخ للحظة قبل أن تتكلم، ثم قالت بخجل: «في الحقيقة، سيارتي تعطلت اليوم ولم أستطع إحضارها، لذلك كنت أتساءل إن كان بإمكانك أن توصلني في طريقك.» قالت ذلك وهي تنظر إليه بابتسامة خجولة.

ابتسم جونغكوك ورد بهدوء: «بالتأكيد، لا توجد مشكلة. هيا بنا.» ثم خرجا معًا من الصف، وخلال الطريق كانا يتحدثان بشكل مريح، تتخلل حديثهما بعض الضحكات، بينما كانت أستاذة التاريخ تشكره بين حين وآخر على توصيلها.

وأثناء القيادة، بدأت أسترين تتحدث بعفوية عن يومها في المدرسة، وعن الطلاب والدروس التي كانت تشرحها، ثم انتقل اهتمامها إلى الموسيقى، فأخذت تغيّر المحطات بحثًا عن أغنية تناسب الأجواء.

وفجأة، توقفت عند أغنية «سنيوريتا». استمعت إليها باهتمام، بينما بدا جونغكوك شارد الذهن قليلًا.

لم يكن منزعجًا من الأغنية، لكنها جعلته يفكر بامرأة لا تغيب عن باله مهما حاول تجاهلها. كانت دائمًا حاضرة في ذهنه، في أوقات هدوئه وحتى أثناء انشغاله.

لكنه سرعان ما أبعد تلك الأفكار عن رأسه، محاولًا التركيز على الطريق، خاصة أنه لم يكن وحده في السيارة.

حاولت أسترين كسر الأجواء الهادئة داخل السيارة، فالتفتت إليه قليلًا وقالت بحماس: «كيف كان يومك، جونغكوك؟»

أبقى جونغكوك نظره على الطريق وهو يقود بحذر، ثم أجاب بصوت متعب: «مليء بالصداع.» بدا الإرهاق واضحًا عليه.

ما إن سمعت أسترين رده حتى ضحكت بخفة وقالت بسخرية لطيفة: «يبدو أنك لم تتعود بعد على ضجيج طلاب الإعدادية.»

تنهد جونغكوك بهدوء وقال: «أعتقد أنني لن أتأقلم معهم أبدًا.» كان التعب ظاهرًا في صوته وملامحه، حتى وهو يحاول التصرف بشكل طبيعي.

وبعد لحظة صمت قصيرة، قال بنبرة جادة ممزوجة بالمزاح: «ربما أنتقل إلى مدرسة ابتدائية… أو حتى روضة.»

خفضت أسترين صوت الأغنية قليلًا، ثم قالت بلطف: «أنت تبالغ. صحيح أنهم صاخبون، لكن تدريسهم يبقى أفضل من طلاب الابتدائية.»

ابتسم جونغكوك ابتسامة خفيفة وهمهم: «ربما.»

وبعد مدة قصيرة، وصلا إلى منزلها. أوقف جونغكوك السيارة أمام المنزل، فالتفتت إليه أسترين بابتسامة ودية وقالت: «شكرًا على توصيلي، جونغكوك. أتمنى لك ليلة سعيدة.» وقبل أن تغلق الباب، رد عليها بلطف: «على الرحب والسعة، أسترين. ليلة سعيدة لكِ أيضًا.»

عندما عاد جونغكوك إلى منزله، سمع أصوات الحركة القادمة من المطبخ، فعرف أن زوجته آريا كانت تُحضّر العشاء، رغم أن الوقت لم يصل بعد إلى السادسة. اتجه نحو غرفة المعيشة، وهناك وجد أطفال أخيه الراحل يجلسون أمام التلفاز بهدوء.

انتبه الأطفال لمروره بجانبهم، لكن أحدًا منهم لم يبتسم أو يتحدث. بقيت الغرفة هادئة، ولم يكن يُسمع فيها سوى صوت التلفاز.

حاول جونغكوك التحدث مع الأطفال ليكسر ذلك الصمت الثقيل، فقال بهدوء: «كيف كان يومكم يا أطفال؟» لكن آيدن، الابن الأكبر، رد ببرود و وقاحة: «وما شأنك أنت؟»

تجمد جونغكوك للحظة وهو يسمع تلك النبرة الجافة. شعر بضيق واضح، ولم يعرف ماذا يقول، فقد بدا كلام آيدن جارحًا أكثر مما توقع.

وقبل أن يتمكن من الرد، خرج صوت غاضب من المطبخ جذب انتباه الجميع فورًا. «آيدن، ما هذه الوقاحة؟!» قالت آريا بصوت حاد وهي تنظر إليه بغضب. حاول آيدن أن يتكلم، لكنها قاطعته مباشرة: «اعتذر لعمك حالًا!»

عندما رأى جونغكوك خوف آيدن من والدته، حاول تهدئة الموقف وقال بسرعة: «لا بأس يا آريا، ما يزال صغيرًا.»

لكن آريا لم تقتنع بذلك. اقتربت من الأريكة التي يجلس عليها أطفالها، وكانت ملامحها متجهمة بوضوح، ثم قالت بصرامة: «لا يا جونغكوك، لا تدافع عنه. يجب أن يتعلم كيف يتحدث معك باحترام، وإلا سأتصرف معه بطريقة أخرى.»

رفعت آريا صوتها مرة أخرى عندما رأت ابنها يلتزم الصمت. «اعتذر فورًا!» ارتجف آيدن قليلًا، وكذلك أخواه الصغيران، فقد بدا الخوف واضحًا على وجوههم.

قال آيدن بصوت خافت: «أنا آسف…» لكن ذلك لم يكن كافيًا بالنسبة لآريا.

قالت بغضب أكبر: «هذه ليست طريقة مناسبة للاعتذار من عمك!» وكانت ملامحها تزداد صرامة مع استمرار عناد ابنها.

تردد آيدن للحظة، ثم وقف أمام جونغكوك وخفض رأسه وقال بصوت واضح: «أنا آسف يا عم جونغكوك، أرجوك سامحني على وقاحتي.»

ابتسم جونغكوك بلطف، أمسك بيدي آيدن وسحبه ليجلس في حضنه، ثم قبّله على خده وقال بهدوء: «لا بأس يا صغيري، أنا لست غاضبًا منك.»

تنهدت آريا بعجز وهي تنظر إليهما. كان تسامح جونغكوك المستمر يجعل الأطفال يتمادون معه أكثر، وهذا ما كان يزعجها فعلًا.

لوّحت بالملعقة التي في يدها وقالت بعتاب واضح: «جونغكوك، يجب أن تكون أكثر صرامة معهم. تدليلك لهم يجعلهم يتجاوزون حدودهم.»

ورغم نبرة العتاب، كان القلق واضحًا في كلامها. أما جونغكوك، فاكتفى بابتسامة هادئة وقال: «لا أستطيع… إنهم أطفالي الصغار المدللون.»

وقبل أن تتمكن آريا من الرد عليه، انتشرت فجأة رائحة احتراق في المكان، لتتسع عيناها وهي تصرخ بفزع: «يا إلهي! الدجاجة احترقت!» ثم ركضت بسرعة نحو المطبخ وهي تتمتم بغضب وارتباك، وكان منظرها كافيًا ليجعل جونغكوك ينفجر ضاحكًا.

بدأ يضحك بصوت عالٍ وهو يشاهدها تركض بتلك العجلة، لكن ضحكته لم تدم طويلًا. نهض آيدن فجأة من حضنه بعنف، ثم قال بصوت حاد: «توقف عن النظر إلى أمي هكذا، هي ملك لأبي فقط!»

توقفت ضحكة جونغكوك فورًا. شعر بغصة قوية في صدره، وحاول بصعوبة أن يخفي انزعاجه من الكلمات القاسية التي سمعها.

وقبل أن يتكلم، تدخل ليام، الابن الثاني، وقال ببرود دون أن يهتم بمشاعر عمه: «ونحن أيضًا لسنا أطفالك، لذا توقف عن قول ذلك… إنه مقرف.»

ساد الصمت بعد ذلك، ولم يعرف جونغكوك كيف يرد عليهم.

لاحقًا، اجتمعت العائلة حول مائدة العشاء. جلس جونغكوك في مقدمة الطاولة، بينما جلست آريا إلى جانبه الأيسر، وجلس الأطفال الثلاثة في الجهة المقابلة. وبينما كانت آريا توزع الطعام عليهم، نظرت إلى جونغكوك وسألته بهدوء: «كيف كان يومك؟»

ابتسم جونغكوك وهو يأخذ الطبق من يد آريا وقال: «أعتقد أن يومي كان جيدًا نوعًا ما. الطلاب كانوا صاخبين جدًا، وأحيانًا كان من الصعب السيطرة عليهم، لكن بشكل عام مرّ اليوم بشكل جيد.»

ابتسمت آريا وهي تنظر إليه بمزاح: «فقط اعترف أنك تبحث عن أي عذر لتنتقل إلى مدرسة ابتدائية وينتهي الأمر.»

ضحك جونغكوك وقال: «أعتقد فعلًا أن أجواء الإعدادية لا تناسبني.»

استمر آيدن في مراقبتهما بصمت وهو يتناول طعامه، لكن ملامحه كانت تكشف انزعاجه الواضح من قربهما وطريقة حديثهما.

وعندما رأى والدته تضع يدها فوق يد جونغكوك وهي تضحك، لم يستطع التحمل أكثر. نهض فجأة من مكانه وقال بانفعال خفيف: «لقد شبعت، شكرًا على الطعام يا أمي.» لكن آريا لم تهتم لنبرته، تجاهلت الأمر فحسب.

نهض ليام بعد أخيه مباشرة، وقال الكلام نفسه تقريبًا وبالنبرة ذاتها، ثم غادرا المائدة بخطوات ثقيلة بعدما شعرا أن والدتهما تجاهلتهما تمامًا.

نظرت آريا إلى أصغر أطفالها وقالت: «وأنت؟ ألن تفعل مثلهم؟»

هز ليو رأسه بسرعة وقال ببراءة: «ما زلت جائعًا.»

ابتسم جونغكوك له بلطف، ووضع قطعة لحم في طبقه قائلًا: «تناول هذه، إنها لذيذة جدًا.» ثم أخذ حبات البازلاء من طبق ليو قبل أن يسحب يده، مما جعل الطفل يبتسم بسعادة ويهز قدميه بحماس وهو يقول: «شكرًا يا عم جونغكوك، سأحرص على أكلها كلها!»

بعد انتهاء العشاء، توجه ليو إلى الغرفة التي يشاركها مع أخويه. وما إن أغلق الباب حتى أمسكه آيدن من ياقة قميصه ودفعه بقوة نحو الباب، ثم قال بغضب مكتوم: «هل تخوننا يا ليو؟»

ارتبك ليو ونظر إليهما بخوف وهو يسأل: «ماذا تقصد؟»

قال ليام بانزعاج واضح: «لماذا أخذت قطعة اللحم منه؟ كان يجب أن ترفضها وتلحق بنا.»

عبس ليو بحزن وقال بصوت ضعيف: «لكن عم جونغكوك…»

قاطعه آيدن بسرعة وبغضب أكبر: «لا تذكر اسمه! هل نسيت ما قاله لنا أبي؟ جونغكوك رجل سيئ، ويجب ألا نفعل له أي شيء جيد. علينا أن نكرهه ونفسد كل ما يفعله.»

بدأ ليو بالبكاء بصوت مرتفع، مما جذب انتباه آريا التي كانت تجلس مع جونغكوك في غرفة المعيشة. حاول آيدن وليام تهدئته بسرعة، لكنهما لم ينجحا. وبعد لحظات، فتحت آريا الباب بقلق لتجد ليو يبكي بينما يقف أخواه بجانبه.

سألت بقلق وهي تعانق ليو وتمرر يدها على ظهره: «ماذا حدث؟»

أجاب آيدن بسرعة: «كنا نتحدث عن أبي، وقلنا إننا نفتقده، وفجأة بدأ ليو بالبكاء.»

وتابع ليام مباشرة محاولًا دعم كذبة أخيه: «هذا صحيح يا أمي، أعتقد أن ليو يشتاق لأبي كثيرًا.» وحاول أن يبدو حزينًا وهو يتكلم.

شعر جونغكوك بضيق في داخله، لكنه أخفى ذلك بصمت. ثم اقترب من آريا، وأخذ ليو من بين ذراعيها وحمله بلطف، قبل أن يقول بابتسامة هادئة: «ما رأي صغيري ليو أن نذهب إلى السوبر ماركت ونشتري الحلوى التي يحبها؟»

رفع ليو رأسه نحوه وهو يشهق من البكاء، ثم هز رأسه بحماس خفيف بينما يفرك عينيه الصغيرتين بيديه.

لكن آريا قالت بجدية: «أنت تعلم أنهم ممنوعون من الحلوى يا جونغكوك.»

نظر ليو إلى جونغكوك بوجه حزين ولطيف في الوقت نفسه، ولم يستطع جونغكوك مقاومة ذلك التعبير. رفع نظره نحو آريا وقال بهدوء: «لا بأس بخرق قوانينك لمرة واحدة يا آريا.»

ابتسمت آريا وهي تدرك أن جونغكوك لن يرفض ليو أبدًا عندما ينظر إليه بذلك الوجه البريء.

خرج جونغكوك حاملاً ليو بين ذراعيه، ولحقت به آريا وأغلقت الباب خلفها، لتبقى الغرفة خلفهما هادئة حيث بقي آيدن وليام وحدهما، يحدقان في الباب بصمت ثقيل، بينما امتلأت الغرفة بالألعاب دون أن يلمسها أحد.

في الخارج، وبعد عودتهم من السوبر ماركت، كان ليو مستغرقًا تمامًا في سعادته، يجلس بين جونغكوك وآريا، وعيناه لا تفارقان شاشة التلفاز وهو يشاهد حلقته المفضلة من «ماشا والدب»، ولا يقطع تركيزه سوى لحظات قصيرة يلتقط فيها قطعة حلوى ويدسها في فمه.

أما آيدن وليام، فبقيا خلف باب الغرفة يراقبان من بعيد، وكبرياؤهما يمنعهما من الاقتراب أو الجلوس معهم.

ومع مرور الوقت، أصبح ليو أكثر ارتياحًا، وعيناه الواسعتان تتنقلان بين الشاشة والحلوى. ومع الوقت، لم يعد يمد يده بنفسه، بل كان جونغكوك يطعمه بهدوء، مما جعل الطفل يبتسم بسعادة واضحة ويستمتع بكل لحظة.

بعد مدة، قالت آريا وهي تجلس على الأريكة بعد أن انتهت من وضع الأطفال في أسرتهم: «لقد اتصلت السيدة جوديث اليوم.»

رفع جونغكوك رأسه بسرعة، وقال بدهشة: «أمي؟ ماذا قالت؟» ثم وضع أوراق الاختبار جانبًا وركز انتباهه بالكامل عليها. تناولت آريا كوب الحليب الذي كان قد أعدّه جونغكوك سابقًا، قبل أن تبدأ بالحديث.

«تريد أن نعود للعيش معهم في نفس المنزل!» قالت آريا وهي تراقب ردة فعله.

تنهدت قليلًا قبل أن تتابع، وهي تمرر يدها على كوب الحليب: «أخبرتها بما قلته لي سابقًا، أننا لا نستطيع الانتقال لأن منزلهم بعيد عن عملك.»

أخذ جونغكوك رشفة من قهوته بهدوء ثم قال: «جيد.» ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: «حاولي ألا تدخلي في نقاش مباشر معها أو تستفزيها بالكلام. تلك المرأة إذا وضعت شخصًا في رأسها لا تهدأ حتى تُدمره.»

أومأت آريا بصمت. كانت تعرف جيدًا ما يقصده، فقد عاشت في ذلك البيت تسع سنوات، وعرفت خلالها وجهًا آخر لجوديث، وجهًا قاسيًا جعل حياتها مليئة بالضغط والتعب.

ولو لم يمت زوجها، لكانت ما زالت هناك حتى الآن، عالقة في نفس الدائرة دون نهاية.

في وقت لاحق من تلك الليلة، كان المنزل غارقًا في الصمت. في غرفة جونغكوك، لم يكن هناك سوى هدوء ثقيل، لا يقطعه سوى تنفسه المتعب وهو نائم. بدا وكأنه غارق في نوم عميق، لكن ملامحه لم تكن ساكنة تمامًا، إذ كانت ترتعش بين الحين والآخر.

كان هناك شيئ ما في داخله لا يزال مستيقظًا، يدفعه لرؤية صور وأحداث تتقاطع في عقله دون توقف.

في مكان مظلم ومغلق، كان طفل صغير يتألم. جسده مليء بالندوب والجروح، وعلى وجهه آثار كدمات واضحة تغطي ملامحه. حاول أن يصرخ، لكن صوته لم يخرج، فبقي الألم محبوسًا داخله. كان يتنفس بصعوبة، ويضغط على نفسه وكأنه يحاول البقاء رغم كل شيء.







يُتبع...




قد ترغب أيضًا في قراءة: 











تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل الأول

  في قبضة الجنرال: الفصل الأول تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة كانت ريفن تقف على سطح الأسطبل بهدوء، تراقب السماء الصافية والغيوم الخفيفة التي تمر ببطء. الهواء كان عليلًا، وفي الأسفل كان الخدم منشغلين بتنظيف الحديقة وترتيبها. بدت ريفن هادئة تمامًا، غارقة في تأملها دون أن تهتم بما حولها. فجأة ارتفع صراخ رجل في الأسفل، وهو يحاول سحب حصان أسود بعنف. عندها فقط أنزلت ريفن نظرها نحو مصدر الصوت، لكن ملامحها بقيت هادئة كما هي، دون أي ردة فعل واضحة. رفع الرجل رأسه نحو السماء بضيق واضح، وقد بدا محبطًا من عناد الحصان الأسود. تجولت عيناه فوق سطح الإسطبل حيث كانت ريفن تجلس، لكنه لم يرها، إذ أخفت نفسها بالسحر. أسندت ريفن ذقنها على راحة يدها، وحدقت في ملامح الرجل المستاءة بوجه خالٍ من أي تعبير. في الأسفل خرج رجل آخر من الإسطبل واقترب بحذر من الحصان الذي كان يصهل بعنف ويحاول التحرر. مد يده لمداعبته وتهدئته، لكن الحصان أصبح أكثر عدوانية، وارتفعت حوافره في الهواء بعصبية خطيرة. كانت ريفن تراقب المشهد بعينين ضجرتين، فالأمر لم يكن يستحق اهتمامها لولا شعورها بالملل. انسحب الرجل الآ...

رواية نمش أحمر/ الفصل الأول

  نمش أحمر: الفصل الأول جلست المرأة في غرفة باردة خالية من أي ملامح مريحة. لم يكن فيها سوى طاولة صغيرة ومقعدين متقابلين، شغلهما شخصان فقط؛ هي والرجل الجالس أمامها. استند الرجل إلى ظهر كرسيه، وعقد ذراعيه أمام صدره، بينما ثبت نظره عليها بهدوء دون أن يقاطعها. أما المرأة فكانت تتحدث بصوت متعب، تروي تفاصيل الجريمة التي ارتكبتها وتعترف بكل ما فعلته. إلى جانبهم امتد جدار زجاجي عاكس، يخفي ما وراءه عن الأنظار. وخلف ذلك الزجاج وقف عدة أشخاص يراقبون الجلسة بصمت، يستمعون إلى كل كلمة تخرج من فمها. عندما انتهت من اعترافها، ساد الصمت لبعض الوقت. نهض الرجل من مكانه، واتجه نحو الباب. خرج من الغرفة وأغلقه خلفه بهدوء، ثم أطلق زفرة طويلة، فقد أُزيح ثقلًا كبيرًا عن كتفيه. مدّ ذراعيه وحرّك كتفيه محاولًا التخلص من التصلب الذي أصاب جسده بعد ساعات من الجلوس. وقبل أن يلتقط أنفاسه تمامًا، لمح يدًا ممدودة نحوه تحمل كوبًا من القهوة الساخنة. رفع رأسه، فوجد صديقه يقف بجانبه. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه، شكره بصوت هادئ، ثم أخذ الكوب من يده.  قال كايو بمرح وهو يرفع كوب القهوة قليل...

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل العاشر

  في قبضة الجنرال: الفصل العاشر تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة اختفى الاستغراب من وجهيهما فورًا، وتجاهلا كل مشاعرهما الأخرى، ثم انحنيا مباشرة وقدما التحية لريفن باحترام كامل. ابتسمت ريفن بلطف وردت التحية بهدوء. في داخلها، شعرت بسعادة خفيفة بسبب تصرف الخادمة. مجرد دفاعها عنها بهذه السرعة كان يعني أن الخدم يحملون لها مشاعر جيدة بالفعل. قال ليام باحترام: "أعتذر لأننا لم نلتقِ بكِ ونقدم التحية في وقت أبكر، سيدتي." ابتسمت ريفن بلطف أكبر وقالت: "لا بأس، لابد أنكم كنتم مشغولين جدًا." اندُهش كل من ليام وزوي في داخلهما. أغلب النبلاء كانوا يوبخون من هم أقل منهم مكانة عند أي خطأ بسيط، لذلك بدا لطفها وتصرفها الهادئ غريبًا فعلًا. نظرت إليهما ريفن بتعاطف خفيف ثم سألت: "تبدوان مرهقين جدًا... لا بد أن القتال المستمر متعب." ازدادت حيرة الاثنين أكثر. بدا وكأن السيدة تجاهلت تمامًا حادثة قدومهما لأخذ الحجر صباحًا للدخول إلى القصر الأبيض. في الخلف، كانت مارلين تقف بصمت، وابتسامة مهتزة بالكاد ثابتة على شفتيها. منذ اللحظة التي ظهرت فيها ريفن، بدأ ليا...