التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رواية الكمد/ الفصل الثاني


الكمد: الفصل الثاني






 أراد جونغكوك أن يقول شيئًا، لكن المستشار دان تواصل معه وأخبره أن الخطاط قد وصل إلى غرفة الاجتماعات. أشار الألفا للشابات من حوله وطلب منهن الاعتناء بطفلته إلى حين عودته.


تنفست مولان الصعداء، وأفرغت كل ما كانت تحبسه من خوف. ابتسمت وهي ترى والدها يبتعد، لكنها سرعان ما عبست عندما أخبرتها الفتيات بضرورة الاعتذار لزارا.

"أنا آسفة يا زارا، كنت أمزح فقط." قالت مولان بعبوس وهي تعتذر.

وضعت الشابة التي كانت تعلم الألفا قبل قليل طوق الزهور على يد مولان، وهمست لها أن تضعه فوق رأس مربيّتها.

احتضنت زارا الطفلة وقبلتها عدة مرات، محاولة تهدئتها. كانت الأمور ستعود إلى طبيعتها… على الأقل حتى صباح الغد، حين تتكرر المشكلة مجددًا، ستبحث عن طريقة جديدة للهروب منها.

في تلك الأثناء، كان جونغكوك قد دخل غرفة الاجتماعات. أزال ابتسامته تمامًا، وأعاد ملامحه الجادة، ثم جلس على كرسيه وأمر الخطاط بإخراج الورقة والقلم.

في الخارج، ارتفعت ضحكات الفتيات مجددًا بسبب ابنة القائد المشاغبة، وكانوا يحاولون مواساة تلميذ أحد الأطباء، بعد أن سكبت مولان بعض الأدوية السائلة بالخطأ.

تبادلوا الكلمات فيما بينهم حتى هدأ الوضع تدريجيًا، لكن الشاب ما زال يحمل حزنًا واضحًا في عينيه بسبب خسارة الأدوية. وعندما رأى زارا جالسة بعيدًا دون تدخل، ازداد غضبه، فصرخ بها فجأة، فتوقف الجميع عن الضحك. "قومي بعملك بدل الجلوس هناك!"

"أولًا، لا تصرخ في وجهي. وثانيًا، لو كنت تنظر أمامك جيدًا لما حدث هذا." قالت زارا بحدة وهي تقترب منه.

وقفت عدة فتيات بينهما لمحاولة تهدئة الوضع ومنع الشجار، لكن كلماتهن لم تنجح، واستمر الشاب برفع صوته بغضب. "أنا كنت أنظر، لكن إهمالك هو الذي سبب كل هذا!"

"ما الذي يحدث هنا؟" تدخل جونغكوك أخيرًا بعد أن سمع الأصوات المرتفعة. خرج ليرى ما يجري، ثم حمل طفلته التي كانت على وشك البكاء وهي تنظر إلى زارا.

"لا شيء مهم يا ألفا، مجرد خلاف بسيط بين زارا ورون." قالت إحدى الفتيات الشقراوات.

تجاوز جونغكوك الجميع، ثم وضع مولان في حضن مربيتها التي بدأت تهدئها وتمسح على ظهرها لتخفيف توترها.

بعدها التفت إلى رون ووقف أمامه مباشرة. "إذا سمعتك تصرخ في وجه أي أوميغا داخل قطيعي، حتى لو كانت طفلة، سأقطع لسانك." قالها بحدة وبصوت عالٍ سمعه الجميع.

"حاضر يا ألفا." أجاب رون بسرعة وهو يخفض رأسه، ثم ابتعد متجهًا نحو العيادة وهو يكتم غضبه.

وفي قطيع بوفارديا، كان هناك قانون صارم يحمي الأوميغا ويضمن حقوقهم. وأي تعدٍ عليهم من أي شخص، سواء كان بيتا أو ألفا، قد يؤدي إلى السجن أو الطرد من القطيع، ليصبح الشخص بعدها ذئبًا تائهًا بلا مأوى.

وعلى الرغم من شدة العقوبات، كان بعض الشباب لا يزالون يعارضون هذه القوانين، وغالبًا ما يكون هؤلاء ممن يرون أنفسهم أعلى منزلة من الأوميغا.

ومع ذلك، فإن هذه القوانين كانت مصدر طمأنينة لكثير من الآباء، خصوصًا أولئك الذين لديهم فتيات ويخشون عليهن من الذكور.

وبمرور الوقت، ومنذ انتهاء الحرب القديمة، بدأ هذا النظام يغيّر طريقة تفكير الناس. نشأ الجيل الجديد على احترام الجنس الآخر، حتى أصبح القطيع في وضع أكثر توازنًا؛ حيث يحترم الجميع بعضهم بعضًا، ولا يُسمح بالإساءة لأحد. حتى أن النساء أصبحن يمتلكن شجاعة كافية للخروج ليلًا دون خوف.

لكن، وكما يحدث دائمًا، لم يخلُ الأمر من استثناءات. فحتى قطيع بوفارديا يضم بعض الذكور ذوي الفكر المتحجر، إلا أنهم يخفون آراءهم خوفًا من العواقب.

"من المثير للشفقة أننا نعمل ليلًا ونهارًا ليكون الجميع بخير، وفي النهاية من يحظى بالاحترام هم الأوميغا… عديمو القدرات، كل ما يجيدونه هو استهلاك الموارد وإنجاب الأطفال." قال التلميذ الثاني للطبيب ذلك وهو يتحدث مع رون، الذي كان قد دخل للتو وجلس واضعًا رأسه بين يديه.

اقترب منه بهدوء شديد حتى كاد صوته لا يُسمع، ثم انحنى وهمس في أذنه: "لو كنت مكانك، لجعلتها تندم على تحويلك إلى مصدر سخرية والتقليل من شأنك."

حلّقت الطيور عائدة إلى أعشاشها، بينما تجمعت الإلكة بحذر قرب بعضها البعض، متوترة من أي هجوم محتمل بعد أن يهبط الليل ويغمر الغابة بالظلام.

في قطيع هيذر، هدأت الطرقات بعد صخب النهار، وأضاءت أعمدة الإنارة أرجاء المكان، فيما انتشر الحراس الليليون في كل زاوية.

داخل منزل القائد، جلس القائد مع اللونا وأبنائهما من الألفا، إضافة إلى المستشار، حول طاولة خشبية بيضاوية، تتوسطها رسالة داخل ظرف أسود داكن.

كانت الرسالة مهمة، مرسلة من قطيع يقوده جيون جونغكوك، المعروف بين القادة بغروره وتعجرفه. وقد أصبح قائدًا في سن الثامنة عشرة، وهو أمر نادر الحدوث، إذ عادة ما يتولى الألفا القيادة بعد سن العشرين ليكونوا أكثر نضجًا.

لم يتفاجأ القادة كثيرًا، فجونغكوك معروف بقوته الاستثنائية، إذ يمتلك ذئبًا أسود قويًا للغاية، إضافة إلى سرعته وقدراته البدنية العالية، مما يجعله قادرًا على مواجهة أكثر من قائد في وقت واحد بابتسامة واثقة.

قوته الهائلة وذكاؤه الحاد جعلاه شخصًا تحسب له جميع القِطعان ألف حساب، ولا يجرؤ أحد على استفزازه بسهولة.

والآن، هذا الرجل الذي لم يخضع لأحد من قبل، يرسل رسالة إلى أحد أكثر القطعان عداوة له. كان كيليان عاجزًا عن تصديق الأمر، فاستدعى اللونا وأبناءه الاثنين ومستشاره لبحث الموضوع من جميع الجوانب.

"هل يمكن أن يكون هذا إعلان حرب بسبب تلك الطفلة؟" قالت اللونا، كاسرةً الصمت الثقيل داخل الغرفة المغلقة.

"إنها مجرد أوميغا، لا أحد يهتم بما حدث لها." قال القائد وعيناه ما تزالان مثبتتين على الظرف الأسود.

"لا تنسَ أن قطيعه يؤمن للأوميغا الاحترام قبل الحقوق." ردّت اللونا بانزعاج واضح.

"لونا، لا يمكن لأحد أن يثبت أن تلك الأوميغا قُتلت على يد رجالنا. إنها ميتة، والموتى لا يروون القصص." تدخل المستشار بصوته الغليظ. ولولا حاجتهم إلى عقله وحكمته، لكانت اللونا قد تخلصت منه منذ زمن بسبب استفزازها المستمر من صوته.

أما الأبناء فظلوا يراقبون والدهم بصمت، محاولين فهم ملامحه غير الواضحة. كان نيرو عاجزًا عن تفسير تردده في فتح الرسالة. "وماذا لو كان إعلان حرب؟ إنها فرصة ممتازة لسحق غروره." قال نيرو بصوت مرتفع.

"لم تستطع هزيمته قبل سبع سنوات، فكيف ستفعلها الآن؟" رد والده دون أن ينظر إليه.

"لقد أصبحت أقوى الآن، ويمكنني قتله بسهولة!"

"عليك أن تفهم شيئًا بُني، جونغكوك رجلٌ بجيشٍ من الألفا، القتال المباشر واستعراض القوة أمامه لا يفيد، والطريقة الوحيدة للتخلص منه هي الطعن في ظهره." قالها ببرود حاد يشبه فحيح الأفعى.

ثم أخذ الرسالة وفتحها أخيرًا، ليُرضي فضوله الذي كان يزداد كل لحظة.

كانت عيناه البنيتان تتحركان بسرعة مع كل سطر يقرأه، وبدأت ابتسامة خبيثة تتشكل على شفتيه كلما تقدم في القراءة.

وفجأة انفجر ضاحكًا بشكل هستيري، ضرب الطاولة بيده مرارًا حتى كاد يختنق من شدة الضحك، مما جعل الموجودين يحدقون به بذهول تام.

"اقرأها!" قالت اللونا وهي تمد الورقة للمستشار بحدة ونفاد صبر.

"من جيون جونغكوك، قائد قطيع بوفارديا، إلى قائد قطيع هيذر، السيد كيليان.

تتغير الفصول كل بضعة أشهر، فتتبدل معها كل الأمور؛ من شتاء بارد إلى ربيع دافئ، ومن صيف حار إلى خريف لطيف. كل شيء مرتبط بالزمن، ومع مرور الوقت تتغير الأحوال باستمرار. والبشر ليسوا استثناءً، فهم أيضًا يتغيرون، لكن نحو الأفضل أو الأسوأ يبقى قرارًا يعود لكل فرد بنفسه.

سيد كيليان، لقد مر وقت طويل على العداوة بين قطيعينا، ومع ذلك ما زالت الكراهية تنتقل من جيل إلى آخر، يغذيها الآباء الذين يزرعون أفكارهم في أبنائهم، متجاهلين حقهم في تكوين شخصياتهم وتجاربهم الخاصة، سواء كانت سعيدة أم مؤلمة.

أدعوك اليوم إلى طي صفحة العداء وفتح صفحة جديدة، نكتب فيها مستقبلًا مختلفًا بعيدًا عن الماضي القاسي الذي عاناه الطرفان. وبهذه المناسبة، يشرفني أن أطلب يد إحدى بناتك للزواج، لتكون رفيقتي ولونا لقطيعي.

إن كنت موافقًا، أرجو أن ترسل ردك بما يليق بمقامك ومقامي.

مع خالص الاحترام والتقدير
جيون جونغكوك."

انتهت الرسالة وسط دهشة الجميع من الطلب المفاجئ الذي قدمه الألفا جيون. تبادل الحاضرون النظرات بصدمة، بينما بقي والدهم مبتسمًا وهو يعيد قراءة الرسالة مرة أخرى.

"أشعر أن في الأمر فخًا… يجب أن ترفض طلبه يا كيليان." قالت اللونا بقلق واضح وانقباض في صدرها.

"عزيزتي، هذه فرصة لا تتكرر كثيرًا. يجب أن نستغلها جيدًا."

"لكن… لقد طلب الزواج من ابنتك!" قال المستشار بامتعاض.

"وهذا هو الجزء الأهم في الرسالة." أجاب القائد بابتسامة باردة. "ستكون فايا هي السكين التي نطعن بها ظهر ذلك اللعين. بينما تنشغل به في فراشه، سنكون نحن قد أعددنا كل شيء لإرساله إلى زوجته ووالديه."

"لكن فايا مخطوبة لابني يا ألفا." اعترض المستشار.

"في الحياة… أولويات يا أندرو."

وفي تلك الأثناء، كانت شابة تقف خارج الغرفة تتنصت بصمت على ما يدور بالداخل. عندما سمعت والدها يوافق على زواجها من ابن جيون، ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، متجاهلة تمامًا نية والدها في استخدامها كأداة في خطته.

هدوءها كان ظاهرًا، لكن في داخلها كانت تركز على هدف واحد فقط.

تحركت ببطء على الدرج حتى لا يشعر أحد بوجودها، وما إن دخلت غرفتها وأغلقت الباب حتى رمت نفسها على السرير ودفنت وجهها في الوسادة، ثم بدأت تضرب قدميها بخفة على الغطاء.

صعدت قطتها البيضاء نحوها، تموء بجانب رأسها وكأنها تسأل عن سبب حالتها. قلبت الفتاة القطة بين يديها بابتسامة خفيفة، ثم رفعتها قليلًا وقالت: "سنغادر هذا المنزل قريبًا يا ليليث."

أصدرت القطة مواءً قصيرًا وهي تراقبها بصمت. "لقد تخلصنا منه يا ليليث… لن أتزوج ذلك الأحمق."

مرّت عدة أيام منذ إرسال الرسالة إلى القطيع المجاور. وكان جونغكوك يجلس مع ابنته مولان، يحاول إقناعها بتناول الطعام، لكن دون فائدة. كان هذا المشهد يتكرر منذ أربعة أيام بسبب غياب زارا.

تنهد بعمق، معتادًا على هذا النوع من الفوضى كلما دخلت زارا في فترة الحرارة، إذ كانت مولان مرتبطة بها بشكل كبير وكأنها والدتها الحقيقية.

كان جونغكوك يقدّر بصدق ما قدمته زارا لابنته، فقد تولّت تربيتها منذ ولادتها، واعتنت بها باستمرار، خاصة بعد وفاة زوجته مباشرة بعد الولادة. لولاها، لما عرف كيف يتعامل مع رضيع لم يمضِ على ولادته سوى لحظات.

كما كان ممتنًا لتخليها عن عملها كمساعدة قابلة في القطيع، وتفرغها الكامل لرعاية مولان. وربما كان تعلقها الشديد بالطفلة مرتبطًا أيضًا بزوجته الراحلة، التي كانت محبوبة من جميع نساء القطيع بسبب لطفها ومساعدتها الدائمة للآخرين حتى على حساب راحتها.

نظر إلى ابنته ذات الست سنوات. كلما كبرت، ازداد الشبه بينهما. نفس العيون السوداء، والشعر الداكن، وحتى الابتسامة. كانت نسخة مصغرة منه، وكأنها هو لكن بجسد فتاة. ومع ذلك، كان يتمنى أحيانًا أن تشبه والدتها أكثر، ليجد فيها أثرًا منها.

فجأة، دوّى طرق قوي على الباب أخرجه من شروده. نهض وفتح الباب، ليجد شابًا بيتا يقف أمامه بملامح متقززة.

"ألفا، هناك رائحة كريهة لا تُطاق تنبعث من منزل زارا." قال الشاب وهو يعبس بشدة.

"أنا قادم." أجاب جونغكوك، ثم التفت إلى ابنته ذات الملامح الذابلة.

تواصل عبر الرابطة الذهنية مع مالوري، زوجة أحد أصدقائه المقربين، طالبًا منها الحضور للاعتناء بمولان حتى عودته. وبما أن منازل أصدقائه المقربين كانت تحيط بمنزله على شكل دائرة، فقد وصلت مالوري بسرعة.

تحرك جونغكوك بين الحشد المتجمع، وكلما اقترب أكثر، ازداد يقينه بأن خبرًا سيئًا ينتظره. تمناه في داخله أن يكون مجرد وهم، قبل أن يدخل المنزل.

غطى أنفه بمنديل بسبب شدة الرائحة الكريهة؛ فقد كان بيتا محقًا، إذ كانت لا تُحتمل بالفعل.

نظر إلى الجسد الملقى على الأرض، وشك للحظة أنه ليس زارا من شدة السواد والانتفاخ. أدار نظره حول المكان ليتأكد إن كانت هناك آثار حريق، لكن لم يجد أي دليل على احتراق، لا في المطبخ ولا غرفة المعيشة ولا غرفة النوم، بعد أن تجاوز حدود الخصوصية ودخل كل الغرف.

غياب آثار النار أكد أنها لم تمت حرقًا. عاد إلى مكانه، محدقًا بالطبيبين وتلاميذهم الأربعة.

بادل الجميع نظره، باستثناء رون الذي ظل يحدق في الجثة بصمت. لاحظ جونغكوك ارتجاف يده للحظة، لكنه تجاهل الأمر، فالرجل لا يزال شابًا في الحادية والعشرين ولم يسبق له رؤية جثة من قبل، كون عمله يقتصر على تحضير الأدوية.

"إذن؟" سأل جونغكوك بصعوبة، والرائحة تزداد حدة رغم المنديل.

"لقد توفيت قبل أربعة أيام. للأسف لم يلاحظ أحد ذلك مبكرًا بسبب تباعد المنازل، إضافة إلى استخدام زارا لروائح قوية جدًا في تبخير منزلها، ما أخفى رائحة الجثة." قال الطبيب هيكتور بملامح متقززة.

همهم جونغكوك بصوت منخفض وهو يحدق في الجسد المتعفن بحزن واضح.

"ألفا، يجب دفنها بسرعة. إذا بقيت لساعات أخرى، ستبدأ أعضاؤها الداخلية بالتحلل بشكل أسوأ، وسيصبح الأمر صعبًا للغاية." قالت الطبيبة كارلا بصعوبة، وهي تغطي أنفها بسبب الرائحة.

أومأ جونغكوك بقلة حيلة، ثم خرج إلى أفراد القطيع المتجمعين في الخارج، والذين كانوا يغطون أنوفهم بالمناديل. نظر في وجوههم بصمت قبل أن يتحدث بصوت جهوري: "لقد رحلت زارا… وانضمت إلى من سبقوها. فلتدعوا لها بالرحمة."

كانت كلماته تأكيدًا لكل ما خمنوه مسبقًا. ومع ذلك، كان وقع الخبر ثقيلًا عليهم جميعًا. خيّم الصمت، ثم بدأ الحزن يتسلل مجددًا، وارتفعت أصوات البكاء بين النساء اللواتي فقدن زارا كما فقدن من قبل توفانا.

وكما اعتاد، ارتدى جونغكوك قناع الصلابة أمام قطيعه حتى لا يظهر ضعفه. وفي الوقت نفسه، أرسل شعورًا بالطمأنينة عبر رابطة القطيع إلى الحاضرين أثناء دفنها في مقبرة القطيع.

منع أي امرأة، باستثناء غسّالة الموتى، من رؤية الجثمان أو توديعها وجهًا لوجه، بسبب حالته المتدهورة وصعوبة التعرف عليها. كما أمر بتعطير الجثة قدر الإمكان، حتى لو تم استخدام جميع عطور القطيع، لتبقى رائحتها طيبة كما كانت في حياتها.

أُقيمت الجنازة على عجل، لتفادي تدهور حالة الجثمان أكثر أو تمزق الأنسجة. وبعد الانتهاء من الدفن مباشرة، قام جونغكوك بزرع العديد من الزهور فوق التراب المبتل، لتنبعث منه رائحة عطرة تليق بالراحلة زارا.

سمح للنساء بالبقاء عند القبر لرثاء صديقتهن التي رحلت دون وداع، ثم قرر العودة إلى منزله، حيث ابنته الصغيرة التي فقدت للتو أمًا للمرة الثانية.

وبينما كان يعبر بين الأشجار الطويلة، ويدوس بعض الأزهار الصغيرة تحت قدميه، سمع صوت أغصان تتحرك بقوة خلفه. توقف في مكانه وحدّق أمامه بهدوء، مدركًا هوية القادم قبل أن يظهر.





يُتبع...



قد ترغب أيضًا في قراءة: 








تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل الأول

  في قبضة الجنرال: الفصل الأول تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة كانت ريفن تقف على سطح الأسطبل بهدوء، تراقب السماء الصافية والغيوم الخفيفة التي تمر ببطء. الهواء كان عليلًا، وفي الأسفل كان الخدم منشغلين بتنظيف الحديقة وترتيبها. بدت ريفن هادئة تمامًا، غارقة في تأملها دون أن تهتم بما حولها. فجأة ارتفع صراخ رجل في الأسفل، وهو يحاول سحب حصان أسود بعنف. عندها فقط أنزلت ريفن نظرها نحو مصدر الصوت، لكن ملامحها بقيت هادئة كما هي، دون أي ردة فعل واضحة. رفع الرجل رأسه نحو السماء بضيق واضح، وقد بدا محبطًا من عناد الحصان الأسود. تجولت عيناه فوق سطح الإسطبل حيث كانت ريفن تجلس، لكنه لم يرها، إذ أخفت نفسها بالسحر. أسندت ريفن ذقنها على راحة يدها، وحدقت في ملامح الرجل المستاءة بوجه خالٍ من أي تعبير. في الأسفل خرج رجل آخر من الإسطبل واقترب بحذر من الحصان الذي كان يصهل بعنف ويحاول التحرر. مد يده لمداعبته وتهدئته، لكن الحصان أصبح أكثر عدوانية، وارتفعت حوافره في الهواء بعصبية خطيرة. كانت ريفن تراقب المشهد بعينين ضجرتين، فالأمر لم يكن يستحق اهتمامها لولا شعورها بالملل. انسحب الرجل الآ...

رواية نمش أحمر/ الفصل الأول

  نمش أحمر: الفصل الأول جلست المرأة في غرفة باردة خالية من أي ملامح مريحة. لم يكن فيها سوى طاولة صغيرة ومقعدين متقابلين، شغلهما شخصان فقط؛ هي والرجل الجالس أمامها. استند الرجل إلى ظهر كرسيه، وعقد ذراعيه أمام صدره، بينما ثبت نظره عليها بهدوء دون أن يقاطعها. أما المرأة فكانت تتحدث بصوت متعب، تروي تفاصيل الجريمة التي ارتكبتها وتعترف بكل ما فعلته. إلى جانبهم امتد جدار زجاجي عاكس، يخفي ما وراءه عن الأنظار. وخلف ذلك الزجاج وقف عدة أشخاص يراقبون الجلسة بصمت، يستمعون إلى كل كلمة تخرج من فمها. عندما انتهت من اعترافها، ساد الصمت لبعض الوقت. نهض الرجل من مكانه، واتجه نحو الباب. خرج من الغرفة وأغلقه خلفه بهدوء، ثم أطلق زفرة طويلة، فقد أُزيح ثقلًا كبيرًا عن كتفيه. مدّ ذراعيه وحرّك كتفيه محاولًا التخلص من التصلب الذي أصاب جسده بعد ساعات من الجلوس. وقبل أن يلتقط أنفاسه تمامًا، لمح يدًا ممدودة نحوه تحمل كوبًا من القهوة الساخنة. رفع رأسه، فوجد صديقه يقف بجانبه. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه، شكره بصوت هادئ، ثم أخذ الكوب من يده.  قال كايو بمرح وهو يرفع كوب القهوة قليل...

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل العاشر

  في قبضة الجنرال: الفصل العاشر تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة اختفى الاستغراب من وجهيهما فورًا، وتجاهلا كل مشاعرهما الأخرى، ثم انحنيا مباشرة وقدما التحية لريفن باحترام كامل. ابتسمت ريفن بلطف وردت التحية بهدوء. في داخلها، شعرت بسعادة خفيفة بسبب تصرف الخادمة. مجرد دفاعها عنها بهذه السرعة كان يعني أن الخدم يحملون لها مشاعر جيدة بالفعل. قال ليام باحترام: "أعتذر لأننا لم نلتقِ بكِ ونقدم التحية في وقت أبكر، سيدتي." ابتسمت ريفن بلطف أكبر وقالت: "لا بأس، لابد أنكم كنتم مشغولين جدًا." اندُهش كل من ليام وزوي في داخلهما. أغلب النبلاء كانوا يوبخون من هم أقل منهم مكانة عند أي خطأ بسيط، لذلك بدا لطفها وتصرفها الهادئ غريبًا فعلًا. نظرت إليهما ريفن بتعاطف خفيف ثم سألت: "تبدوان مرهقين جدًا... لا بد أن القتال المستمر متعب." ازدادت حيرة الاثنين أكثر. بدا وكأن السيدة تجاهلت تمامًا حادثة قدومهما لأخذ الحجر صباحًا للدخول إلى القصر الأبيض. في الخلف، كانت مارلين تقف بصمت، وابتسامة مهتزة بالكاد ثابتة على شفتيها. منذ اللحظة التي ظهرت فيها ريفن، بدأ ليا...