التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رواية الكمد/ الفصل الرابع



الكمد: الفصل الرابع 



رفع جونغكوك كأسه، وتبعه الآخرون. "نخب اتحادنا مع قطيع هيذر!" قال بصوت عالٍ. شرب القائد كأسه بابتسامة، بينما راقب أفراد القطيع المشهد بصمت ثقيل، تتداخل داخله مشاعر الصدمة وخيبة الأمل تجاه القرار الذي لم يتوقعه أحد.

كان الجو داخل قطيع هيذر لا يختلف كثيرًا عن جاره قطيع بوفارديا. داخل مشغل الخياطة تحديدًا، كانت اللونا والأميرة فايا حاضرتين بينما تقوم الخيّاطة بأخذ القياسات اللازمة.

جلست اللونا على مقعد خشبي وهي تهوّي على نفسها بمروحة يدوية بسبب ارتفاع الحرارة المفاجئ ذلك اليوم. لكن حتى الهواء الخارج منها كان حارًا، مما جعل مزاجها أكثر توترًا وحدّة من المعتاد.

أما فايا فكانت تقف في منتصف الغرفة المخصصة للقياسات، محاطة بأقمشة وأدوات خياطة، بينما تراقبها عدة فتيات بنظرات فضولية واضحة.

أبقت فايا ذراعيها إلى جانبيها لتسهيل عملية القياس، لكنها كانت تحاول جاهدًة تجاهل تلك النظرات التي تلاحقها، خاصة أنها ترتدي فستانًا أحمر ضيقًا يبرز تفاصيل خصرها النحيل.

تنهدت أخيرًا براحة عندما انتهت الخيّاطة من عملها وابتعدت عنها. تقدمت بخطوات هادئة وجلست بجانب والدتها.

أخذت الخيّاطة الأوراق التي تحتوي على رسومات التصاميم، وضيّقت عينيها بتردد قبل أن تسأل: "أليست مكشوفة أكثر من اللازم يا لونا؟"

ردّت اللونا بحدة، وقد بدا الامتعاض واضحًا على ملامحها: "هذا لا يعنيكِ. فقط أنجزي بعملكِ بفمٍ مغلق."

"حاضر." أجابت برأس منخفض وعينين لم تفارقا الأرض. نظرت فايا إلى الخيّاطة بحزن خفيف، ثم تبعت والدتها إلى الخارج بعد أن ارتدت رداءً سماويًا يخفي جسدها بالكامل.

وضعت القلنسوة فوق رأسها وأخفت شعرها الثلجي، وسارت بين أفراد القطيع الذين راحوا يراقبونها أثناء مرورها بجانبهم برفقة اللونا.

كان هذا المشهد نادرًا؛ فايا لا تغادر منزلها إلا في المناسبات الرسمية. انعزالها عن الآخرين وعدم امتلاكها لأصدقاء يجعلها منطوية على نفسها بطبعها، لكن هناك سببًا آخر لا يعرفه إلا القليل: والدها، ألفا القطيع، يمنع خروجها.

فهو يخشى أن تتسبب بأي عار قبل زواجها، أو أن تجلب فضيحة يصعب احتواؤها، لذلك تُبقى محصورة داخل جدران غرفتها، ولا يُسمح لها بالخروج إلا برفقة والدتها أو أحد أشقائها الذكور، وعند الضرورة فقط.

في نظر قطيع هيذر، كانت فايا مختلفة بشكل لافت. شعرها الثلجي الذي يلمع تحت الشمس، وبشرتها الشاحبة، وملامحها الجذابة، كلها جعلتها محط أنظار الآخرين.

دخلت المنزل الفارغ بسرعة، نزعت حذاءها واتجهت إلى غرفتها لتحتضن قطتها ليليث، لكن صوت والدتها أوقفها قبل أن تصل. "تعالي، علينا التحدث."

توقفت فايا وجلسَت على الأريكة بجانب أريكة والدتها، بينما مررت أناملها على الفرو بهدوء، في انتظار ما ستقوله. رفعت نظرها بقلق، وبدأ التوتر يتسلل إليها حين طال صمت اللونا.

ثم قالت اللونا أخيرًا ببرود ثقيل: "كان هدفي أن أبقيكِ في غرفتكِ إلى أن تموتي ونرتاح منكِ… لكن والدكِ له رأي آخر."

صمتت المرأة للحظات وهي تتأمل ملامح ابنتها، وعندما لم ترَ أي رد فعل واضح، أضافت بهدوء: "سأخبركِ بما عليكِ فعله في سرير ذلك الرجل، بناءً على رغبة كيليان."

اتسعت عينا فايا بصدمة، واحمر وجهها الشاحب وتسارعت أنفاسها. رفعت ساقيها إلى صدرها ودفنت وجهها بين ركبتيها، محاولةً الاختباء من ما تسمعه.

راقبتها والدتها للحظات وهي ترتجف من شدة خجلها، لكنها لم تتوقف، وواصلت شرح ما يُفترض أن تقوم به في حياتها الزوجية دون أي اعتبار لمشاعرها.

في قطيع بوفارديا، كان الوضع مختلفًا تمامًا.

فجأة، بدأ الضيوف الخمسة عشر بالضحك بشكل هستيري، بعضهم يتحدث بكلام غير مفهوم، وآخر يضحك وهو مستلقٍ على الأرض ممسكًا ببطنه، وآخر يبكي من شدة الضحك وكأنه فقد السيطرة تمامًا. المشهد كان فوضويًا وغريبًا إلى حدّ بعيد.

أمر جونغكوك عبر رابطة القطيع عشرات الرجال بالتحرك، فقاموا بإجلاس الضيوف في وسط الساحة تحت أنظار الحضور المذهولين.

تم تقييد الرجال وإجبارهم على الركوع بحيث تتجه وجوههم نحو أقدام من قاموا بربطهم. وقف جونغكوك على المنصة مجددًا بعد أن كان يراقبهم بصمت، وقد ارتسمت على وجهه ملامح هادئة بشكل مقلق.

هدأ الحشد، وتوقفت الهمسات تدريجيًا، قبل أن تظهر الصدمة على وجوه الجميع عند رؤية أوليف، بملابسه السوداء وقناع البومة، يقف خلف القائد مباشرة.

في العادة، لا يظهر قائد الجواسيس أمام العامة إلا في حالات نادرة جدًا، مثل المناسبات الرسمية أو الإعدامات العلنية. وغالبًا ما يكون غيابه هو القاعدة.

لكن هذه كانت المرة الأولى منذ سنوات طويلة، منذ جنازة اللونا السابقة، فانيسا، التي يظهر فيها للعلن.

أخذ جونغكوك نفسًا عميقًا قبل أن يتحدث بصوت مرتفع: "لقد جمعتكم هنا اليوم لأعلن أمرًا مهمًا… لقد تم اكتشاف هوية قاتل الطفلة توفانا."

اتسعت أعين الحاضرين بذهول، وارتفعت أنفاسهم. عادت الذكريات المؤلمة لتضرب أذهانهم، واستعادوا مأساة الطفلة ذات الاثني عشر عامًا. انتظر الجميع بترقب إعلان الاسم.

"إنه القائد المستقبلي لقطيع هيذر، نيرو، وعدد من رجاله." اكتفى جونغكوك بهذا التصريح. لم يدخل في التفاصيل، خصوصًا تلك القاسية منها.

أما السيدة فيرنا، فبدأت تتنفس بعمق متقطع، تحاول استيعاب ما قيل عن أولئك الذين دمروا حياة ابنتها. كان الألم واضحًا في ملامحها، بينما عمّ الصمت المكان بثقل شديد.

أشار جونغكوك بيده، فخرج عدد من الرجال من الخلف يحملون أسواطًا جلدية. تمركزوا خلف الأسرى، ورفعوا أدواتهم بانتظار الإشارة الأخيرة من قائدهم.

"بموجب القوانين التي سنّها الأجداد، كل رجل تثبت عليه تهمة القتل العمد لأوميغا يُجلد مئة جلدة. وإذا نجا بعد ذلك، يُقتل على يد أحد أفراد عائلة الضحية." توقف جونغكوك للحظة، ليوازن كلماته داخليًا، رغم أن الحكم كان محسومًا منذ البداية.

ثم أكمل: "لا توجد أدلة مباشرة على مشاركة هؤلاء في الجريمة بحق توفانا، لكن كونهم تحت قيادة نيرو يكفي لإدراجهم ضمن العقاب." رفع نظره للحشد وأضاف: "من لا يحتمل المشهد، ليغادر الآن."

كان حديثه موجهًا بشكل خاص إلى الأوميغا. رغم رغبته في أن تتم المحاسبة أمام الجميع، إلا أنه لم يرغب بإجبار من لا يحتملون العنف على البقاء، خاصة صديقات زارا اللاتي بدت الدموع في أعينهن.

بعد لحظات، انسحب عدد من الفتيات بصمت، وتبعتهن بعض النساء الأخريات. في المقابل، بقيت مجموعة صغيرة قرب السيدة فيرنا دعمًا لها.

ما إن انتهى الانسحاب، حتى أشار جونغكوك برجاله للبدء. ارتفعت الأسواط، وبدأ تنفيذ العقوبة بقوة فوق ظهور الضيوف الخمسة عشر.

راقب الجميع المشهد بصمت ثقيل. بعضهم بدا متبلد المشاعر نتيجة اعتياده على العنف، والبعض الآخر كان يستمتع بشكل واضح.

أما أوزيريس، والد توفانا، فبقي واقفًا في مكانه، ملامحه ذابلة من الحزن. كان الانتقام لابنته يُنفذ أمام عينيه، ومع ذلك لم يخفف ذلك من ألم الفقد الذي ينهش صدره. كانت الصورة كاملة أمامه قاسية: عدالة تُطبق، لكن الألم لا يُمحى.

حتى لو رأى أوزيريس جميع رجال قطيع هيذر وقد انتهت حياتهم بعد تعذيب طويل، فلن يخفّ ألمه. سيبقى ما حدث جرحًا عميقًا لا يلتئم في داخله.

جلس جونغكوك على طرف المنصة، يراقب المشهد بصمت وذهن شارد. لقد انتظر هذا اليوم طويلًا، لكن عندما تحقق، عاد عقله فورًا إلى لحظة العثور على جثمان توفانا.

الجسد الممزق، غير المكتمل، وما حوله من ذئاب الروج التي التهمت أجزاءً منه قبل وصول رجاله… مشهد لم يغادر ذاكرته. لا الجلد، ولا العقاب، ولا الإذلال، يبدو كافيًا لرد ما حدث لها.

كلما عاد إلى تلك اللحظة، ازداد غضبه تجاه قطيع هيذر بأكمله.

ومن دون أن يدرك، انتقلت مشاعره عبر رابطة القطيع إلى الحاضرين والغائبين على حد سواء. وبما أنه ألفا استثنائي، فإن تأثير مشاعره كان مضاعفًا، حتى أصبح الشعور بالرهبة يسيطر على الجميع.

الجميع يعرف أن قائدهم مختلف: في القوة، والقدرة، والهيمنة. وهذا ما يجعل الخوف منه حاضرًا حتى بين أقرب رجاله.

أما الأوميغا، فكانوا يعيشون جانبًا مختلفًا منه تمامًا؛ إذ يظهر لهم الرحمة والاهتمام، ويحاول قدر الإمكان تلبية احتياجاتهم.

في المقابل، استمر رجال جونغكوك في تنفيذ العقاب على رجال قطيع هيذر، بينما تصاعدت صرخاتهم تحت ضربات السوط. وفي بعض اللحظات، أُجبروا على شرب النبيذ بالقوة.

عندما أرسل جونغكوك رسالته إلى قطيع هيذر، كان أمامه أمر واحد معقد لم يكن بسيطًا كما بدا.

يمتلك أفراد القطيع رابطة ذهنية مع القائد، ومن خلالها يمكنهم التواصل معه أو فيما بينهم. هذه الرابطة تجعل إيذاءهم مباشرةً أمرًا معقدًا، لأن أي ضرر قد يتسبب في نقل ما يحدث فورًا إلى القطيع، وبالتالي فشل الخطة بالكامل.

كان جونغكوك بحاجة إلى حل سريع قبل وصول الموافقة في أي لحظة.

في تلك اللحظة، اقترح المستشار دان استدعاء صوفيا وإطلاعها على ما يدور في ذهنه، على أمل أن تجد حلًا مناسبًا بذكائها.

صوفيا، وهي أوميغا ذات قدرات بيتا، معروفة بذكائها الحاد في ابتكار العقاقير وصناعتها. استجاب جونغكوك للفكرة واستدعاها، رغم أنه لم يكن يمتلك تصورًا واضحًا لما يريده بعد.

الفكرة الوحيدة التي كانت تدور في ذهنه هي قطع التواصل الذهني بين الوفد القادم وقائدهم كيليان.

اقترحت صوفيا استخدام نبيذ مصنوع من نبات “ميرافيرا”، وهو نبات يسبب هلوسات سمعية وبصرية تجعل من يشربه غير قادر على التمييز بين الواقع والخيال، ويؤدي إلى اضطراب في السلوك والتفكير.

أعجب جونغكوك بالفكرة، لكنه ظل مترددًا من احتمال أن يحاول بعضهم التواصل الذهني مع قطيعهم أثناء تأثير العقار، مما قد يفسد كل شيء.

إلا أن صوفيا طمأنته بأن التواصل الذهني يحتاج إلى وعي واستقرار عقلي، وهو ما يضعف بشدة تحت تأثير هذا النوع من المركبات.

الآن، وبعد رؤية النتائج على أرض الواقع، أدرك جونغكوك أن مستشاره كان محقًا عندما نصحه باللجوء إلى صوفيا. كما ازداد تقديره لذكائها وقدرتها على ابتكار عقاقير فعالة، خاصة تلك التي تُستخدم كوسائل تحكم أو تعطيل مؤقت.

انتهى الرجال من جلد الضيوف مئة جلدة لكل واحد منهم.

نهض جونغكوك من مجلسه أخيرًا، دون أن يقطع التواصل البصري مع أفراد قطيعه، وأمر رجاله بالانسحاب إلى الخلف للراحة، بينما تم تقديم كؤوس إضافية من النبيذ للوفد وإجبارهم على شربها.

رفع صوته قائلًا: "لقد انتهى الجزء الأول من العقاب. وبما أن المذنبين ما زالوا على قيد الحياة، فإن الحكم النهائي يعود لعائلة الضحية، لتقرر طريقة موتهم."

ثم التفت نحو أوزيريس منتظرًا رده، وأضاف بصوت أخفض: "لك الحق الكامل في اختيار العقاب المناسب، لكنني أقترح أن تُصلب أجسادهم فوق قبر توفانا حتى يمتلئ ترابه بدمائهم."

رفع أوزيريس عينيه المثقلتين بالألم، وبادل القائد النظرة بصوت مرتجف: "أقدّر اقتراحك يا ألفا، لكني أرفض. ما عانته طفلتي كان كافيًا، ولا أريد أن يتلوث قبرها بمزيد من دمائهم."

صمت جونغكوك للحظة. كان قد وعد بتشبيع قبرها بالدم، لكنه أدرك الآن ما لم ينتبه له من قبل. لقد كان ذلك سيجعل وجودهم يظل مرتبطًا بها حتى بعد موتها، وكأنه امتداد لمعاناتها. "معك حق." قال بصوت منخفض. "اختر أنت العقاب المناسب."

هز أوزيريس رأسه ببطء: "سأترك الأمر لك يا ألفا. أنا واثق أنك ستختار ما هو أنسب مما قد أختاره أنا."

كان يدرك أن الوقت ليس في صالحهم. ففعالية النبيذ الذي صنعته صوفيا كانت تقترب من الانتهاء، وإذا انتهى تأثيره، قد يستعيد قطيع هيذر تواصلهم الذهني ويُكشف كل شيء، مما يهدد انهيار الخطة بالكامل.

"هل أنت متأكد من قرارك؟ أنت والدها والأحقّ في اختيار العقاب." قالها بصوت منخفض.

"أنت لم تكن مجرد قائد لها يا ألفا. توفانا كانت تعتبرك أخًا أكبر، وهذا يمنحك حق الاختيار." لامست كلمات أوزيريس شيئًا عميقًا داخل جونغكوك، رغم أنه كان يدرك هذه الحقيقة مسبقًا. الآن، صار ثقل المسؤولية أكبر؛ فما كان انتقامًا لفرد من القطيع، أصبح انتقامًا لأخته الصغيرة.

"لتعد الأوميغا إلى ديارهم، وليبقَ الألفا والبيتا فقط." أمر جونغكوك قبل أن يتواصل ذهنيًا مع بعض الألفا ويأمرهم بشيء مختلف.

حاولت النسوة إبعاد السيدة فيرنا، لكنها رفضت المغادرة. "أريد مشاهدة بقية العقاب، ألفا." قالت بصوت مبحوح.

تنهد جونغكوك. كان العقاب الذي يفكر فيه قاسيًا ولا يناسب بقاء الأوميغا، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن فيرنا لن تهدأ إن لم ترى النهاية بنفسها. "دافيان، ماثيو، خذا والدتكما إلى مكان آمن. وبقية النسوة والشابات إلى منازلهن." صدر الأمر بنبرة حازمة.

تحرك جونغكوك في المقدمة، وإلى جانبيه المستشاران دان وأوزيريس، بينما سيق الضيوف الخمسة عشر وهم مقيدون بين أيدي عدد من الألفا الأشداء.

تبعهم بقية أفراد القطيع، متجهين نحو الشمال الغربي، إلى موقع كان قد أُعد مسبقًا.

عند وصولهم، بدا المشهد غير مفهوم للوهلة الأولى؛ إذ كان عدد من الرجال يقومون بسحب جذوع ثلاثين شجرة ومحاولة تقريبها من بعضها، لتشكيل هيكل ضخم غير مألوف.

أشار جونغكوك للرجال الذين يمسكون بالضيوف، إشارة واضحة للبدء.

تم ربط كل رجل من أطرافه الأربعة بحبال قوية، ثم شُدت الحبال بين شجرتين، ليُثبت كل واحد منهم بين جذعين متقابلين.

وبعد الانتهاء من ربط الرجال الخمسة عشر، ساعد بقية الأفراد في تثبيت الأشجار جيدًا حتى لا تعود إلى وضعها الطبيعي تحت الضغط، قبل أن تُعطى الإشارة الأخيرة.

التفت جونغكوك إلى أفراد قطيعه الواقفين خلفه. كان واضحًا أنهم فهموا أخيرًا ما سيحدث. قسوته في تنفيذ العقوبات كانت أكثر ما يرعب الألفا والبيتا تحت قيادته، فكل مرة يشهدونه فيها يعاقب أحدًا، تكون الطريقة أشد مما قبلها.

قال ببرود: 'كما ذكرت سابقًا، إذا لم يمت المذنب بعد الجلد، يحق لعائلة الضحية اختيار طريقة موته. وقد منحني مستشاري أوزيريس، والد الطفلة توفانا، هذا الحق."

مرّ بنظره على الوجوه من حوله، ولما لم يجد أي اعتراض، رفع يده وأشار لهم بالإفراج عن الأشجار.

في لحظات، اندفعت الأشجار بقوة عائدة إلى وضعها الطبيعي، وتبع ذلك مشهد دموي عنيف، تناثرت معه أجزاء الأجساد الممزقة على العشب واصطبغ المكان باللون الأحمر.

بعض البيتا أغمضوا أعينهم لتجنب رؤية ما يحدث، بينما بقيت السيدة فيرنا تحدق بصمت، ودموعها تنهمر، وقد شعرت بشيء من الراحة لرؤية من تسبب بموت ابنتها وقد نال عقابه أمامها.

" لنعد إلى المنزل، أمي." قال ماثيو وهو يمسك بكتف والدته ويقودها بعيدًا. كان يعرف أن المشهد انتهى، ولا يريدها أن تبقى هنا أكثر.

غادر الاثنان المكان، بينما بقي دافيان في موقعه. بعد ابتعاد والدته وشقيقه، اقترب من والده ووقف بجانبه منتظرًا ما سيحدث لاحقًا، فهو يعرف جيدًا أن هذا العقاب لم يكن النهاية بعد.




يُتبع...

الفصل التالي           الفصل السابق            الفهرس


قد ترغب أيضًا في قراءة: 









تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل الأول

  في قبضة الجنرال: الفصل الأول تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة كانت ريفن تقف على سطح الأسطبل بهدوء، تراقب السماء الصافية والغيوم الخفيفة التي تمر ببطء. الهواء كان عليلًا، وفي الأسفل كان الخدم منشغلين بتنظيف الحديقة وترتيبها. بدت ريفن هادئة تمامًا، غارقة في تأملها دون أن تهتم بما حولها. فجأة ارتفع صراخ رجل في الأسفل، وهو يحاول سحب حصان أسود بعنف. عندها فقط أنزلت ريفن نظرها نحو مصدر الصوت، لكن ملامحها بقيت هادئة كما هي، دون أي ردة فعل واضحة. رفع الرجل رأسه نحو السماء بضيق واضح، وقد بدا محبطًا من عناد الحصان الأسود. تجولت عيناه فوق سطح الإسطبل حيث كانت ريفن تجلس، لكنه لم يرها، إذ أخفت نفسها بالسحر. أسندت ريفن ذقنها على راحة يدها، وحدقت في ملامح الرجل المستاءة بوجه خالٍ من أي تعبير. في الأسفل خرج رجل آخر من الإسطبل واقترب بحذر من الحصان الذي كان يصهل بعنف ويحاول التحرر. مد يده لمداعبته وتهدئته، لكن الحصان أصبح أكثر عدوانية، وارتفعت حوافره في الهواء بعصبية خطيرة. كانت ريفن تراقب المشهد بعينين ضجرتين، فالأمر لم يكن يستحق اهتمامها لولا شعورها بالملل. انسحب الرجل الآ...

رواية نمش أحمر/ الفصل الأول

  نمش أحمر: الفصل الأول جلست المرأة في غرفة باردة خالية من أي ملامح مريحة. لم يكن فيها سوى طاولة صغيرة ومقعدين متقابلين، شغلهما شخصان فقط؛ هي والرجل الجالس أمامها. استند الرجل إلى ظهر كرسيه، وعقد ذراعيه أمام صدره، بينما ثبت نظره عليها بهدوء دون أن يقاطعها. أما المرأة فكانت تتحدث بصوت متعب، تروي تفاصيل الجريمة التي ارتكبتها وتعترف بكل ما فعلته. إلى جانبهم امتد جدار زجاجي عاكس، يخفي ما وراءه عن الأنظار. وخلف ذلك الزجاج وقف عدة أشخاص يراقبون الجلسة بصمت، يستمعون إلى كل كلمة تخرج من فمها. عندما انتهت من اعترافها، ساد الصمت لبعض الوقت. نهض الرجل من مكانه، واتجه نحو الباب. خرج من الغرفة وأغلقه خلفه بهدوء، ثم أطلق زفرة طويلة، فقد أُزيح ثقلًا كبيرًا عن كتفيه. مدّ ذراعيه وحرّك كتفيه محاولًا التخلص من التصلب الذي أصاب جسده بعد ساعات من الجلوس. وقبل أن يلتقط أنفاسه تمامًا، لمح يدًا ممدودة نحوه تحمل كوبًا من القهوة الساخنة. رفع رأسه، فوجد صديقه يقف بجانبه. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه، شكره بصوت هادئ، ثم أخذ الكوب من يده.  قال كايو بمرح وهو يرفع كوب القهوة قليل...

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل العاشر

  في قبضة الجنرال: الفصل العاشر تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة اختفى الاستغراب من وجهيهما فورًا، وتجاهلا كل مشاعرهما الأخرى، ثم انحنيا مباشرة وقدما التحية لريفن باحترام كامل. ابتسمت ريفن بلطف وردت التحية بهدوء. في داخلها، شعرت بسعادة خفيفة بسبب تصرف الخادمة. مجرد دفاعها عنها بهذه السرعة كان يعني أن الخدم يحملون لها مشاعر جيدة بالفعل. قال ليام باحترام: "أعتذر لأننا لم نلتقِ بكِ ونقدم التحية في وقت أبكر، سيدتي." ابتسمت ريفن بلطف أكبر وقالت: "لا بأس، لابد أنكم كنتم مشغولين جدًا." اندُهش كل من ليام وزوي في داخلهما. أغلب النبلاء كانوا يوبخون من هم أقل منهم مكانة عند أي خطأ بسيط، لذلك بدا لطفها وتصرفها الهادئ غريبًا فعلًا. نظرت إليهما ريفن بتعاطف خفيف ثم سألت: "تبدوان مرهقين جدًا... لا بد أن القتال المستمر متعب." ازدادت حيرة الاثنين أكثر. بدا وكأن السيدة تجاهلت تمامًا حادثة قدومهما لأخذ الحجر صباحًا للدخول إلى القصر الأبيض. في الخلف، كانت مارلين تقف بصمت، وابتسامة مهتزة بالكاد ثابتة على شفتيها. منذ اللحظة التي ظهرت فيها ريفن، بدأ ليا...