التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رواية الكمد/ الفصل الثالث



الكمد: الفصل الثالث 



التفت عندما خرجت ماي من بين الأشجار. "هل جئتِ لتعزيني يا ماي؟" قال بصوت متعب وهو يجلس على حجر قريب.

ترددت ماي قليلًا، وأخذت تنظر حولها قبل أن تعود إليه وتقول بحرج: "آسفة، لم أكن أعلم أن لديك حالة وفاة… أنا فقط…" توقفت فجأة وهي تخرج شيئًا من جيبها.

ضيّق جونغكوك عينيه وهو يراقب يدها باهتمام، ثم ارتخت ملامحه عندما رأى السيد ديميتري، القزم الصغير بحجم كف اليد تقريبًا، يجلس براحة على كتفها.

كانت ماي تبتسم بهدوء بينما القزم يفرك أنفه برقبتها بسعادة. تنهد جونغكوك وقال: "سيد ديميتري، هناك أمور أهم من التودد الآن."

ابتسمت ماي، بينما ارتبك ديميتري قليلًا ثم قال وهو يحك رأسه: "أعتذر يا ألفا… لكن رائحة العشب لا تُقاوم."

أومأ جونغكوك بتفهم. فالأقزام يعشقون الطبيعة، إلى درجة أنهم يتخذون من الأشجار وجوف الأرض مساكن لهم. وبما أن أجزاءً من أجساد مخلوقات الأورفيل مخلوقة من لحاء الشجر، وأن رائحتهم مزيج من العشب والأخشاب والزهور والفواكه، فإن الأقزام يرونهم كامتدادٍ للطبيعة نفسها.

تحمحح القزم ثم قال بصوت رقيق: "اجتمعت مع أقزام قطيع هيذر، وسألتهم عن الأميرة التي ستتزوجها..." توقف فجأة، وبدا عليه الارتباك الشديد.

بادل جونغكوك وماي نظرات متسائلة، فاقتربت ماي قليلًا وأطلقت جزءًا خفيفًا من رائحتها الطبيعية لتهدئته وتجعله أكثر ارتياحًا.

بعد لحظة، استعاد القزم هدوءه وقال: "المعلومات قليلة جدًا. اسمها فايا، شخصية انطوائية لا تمتلك أصدقاء. لا تخرج من منزلها إلا في المناسبات الرسمية، وأحيانًا نادرًا في أيام أخرى."

توقف قليلًا ثم أضاف: "كان لديها توأم، لكنه توفي قبل سنوات طويلة. أخبرني أخي هيندريك أن التوأم كان ألفا قويًا جدًا، حتى إن الجميع كان يهابه."

صمت القزم لحظة قبل أن يكمل، بينما كان جونغكوك يستوعب المعلومات الجديدة عن زوجته المستقبلية. "كيف مات؟" سأل جونغكوك بجدية.

أبعد القزم أنفه قليلًا عن ماي وقال بحيرة: "لا أحد يعرف. حتى إنه لا يملك قبرًا. والأغرب من ذلك أن عائلته كاملة، مع اثنين من أصدقائه، اختفوا في اليوم نفسه الذي مات فيه."

"ألم يثر ذلك فضول القطيع؟" سألت ماي وهي تقطب حاجبيها.

"لا." أجاب القزم. "أخبرني هيندريك أن ذكرياتهم عن ذلك الشاب وعائلته تم التلاعب بها. لكن بشكل غريب، لم يشمل ذلك الأقزام والمخلوقات الأخرى داخل القطيع، إلا في تفاصيل بسيطة."

"هل تقصد أن هناك من استخدم السحر؟ وهل يوجد سحرة في قطيع هيذر؟" سأل جونغكوك بدهشة. فبحسب معرفته، لا وجود لسحرة بين أفراد القطيع، وهذا يعني في حال صحّ ذلك أنهم خرقوا معاهدة السلام مع السحرة وتعاملوا معهم.

"كلا." قاطع السيد ديمتري أفكاره سريعًا، ثم أضاف: "قال أخي هيندريك إنه لم يكن سحرًا… بل شيء آخر، مخيف جدًا." ثم سارع بإخفاء وجهه في رقبة ماي، بينما كان جسده يرتجف من الخوف.

أما ماي وجونغكوك فبادلا بعضهما نظرات حائرة، وقد ارتسمت على ملامحهما علامات الشك والتفكير. شيء أكثر رعبًا من السحرة… تمكن من التلاعب بذكريات قطيع كامل يضم آلاف المستذئبين، من أجل شاب ألفا وعائلته؟

ثم، إن كان ميتًا بالفعل… فأين جثته؟ ولماذا اختفت عائلته واثنان من أصدقائه في اليوم نفسه؟

عاد جونغكوك إلى منزله مثقل الرأس من كثرة التفكير في كلام السيد ديمتري. سمح لمالوري بالمغادرة، ثم دخل غرفة طفلته واستلقى بجانبها على السرير، يضمها إلى صدره ويقبل رأسها كل لحظة وهو يهمس لها: "أحبك".

كانت الأيام الأخيرة مليئة بالأحداث الثقيلة… وفاة توفانا، ومعاناة مستشاره وعائلته بسبب فقدان طفلته، ومولان التي ما زالت تشتاق لتوفانا باعتبارها صديقتها المقربة… والآن وفاة زارا أيضًا. وفوق كل ذلك، ذلك اللغز المرتبط بتوأم أميرة هيذر.

لكن جونغكوك قرر دفع كل تلك الأفكار جانبًا والتركيز على طفلته بين ذراعيه. أبعد خصلات شعرها عن وجهها بأنامله، ومررها برفق على وجنتيها الدافئتين… كانت جميلة، وهادئة، وتذكره بوالدتها تمامًا.

كم مضى على وفاتها؟ تساءل للحظات، ثم أجاب نفسه: ست سنوات…

كان عيد ميلاد مولان قبل بضعة أسابيع، في الرابع عشر من شباط. أغمض جونغكوك عينيه مسترجعًا ذلك اليوم بوضوح.

كان حريصًا على جعل عيد ميلادها يومًا سعيدًا ومميزًا، ولم يخبرها حتى الآن بأن والدتها توفيت بسبب تعسر الولادة، حتى لا تحمل الطفلة أي شعور بالذنب تجاه ما حدث.

لكن ذكرياته لم تكتمل، إذ قطعتها أصوات قادمة من الخارج. فبصفته قائد القطيع، كان دائمًا يُستدعى من لحظاته الهادئة ليواجه أخبارًا عاجلة.

تنهد ونهض متجهًا نحو الباب وفتحه، ليجد دان واقفًا أمامه، وشعره الأشقر يخفي عينيه الزمرديتين. "ماذا هناك يا دان؟"

"ألفا، أبلغتنا قوات الحدود مع قطيع هيذر أن خمسة عشر رجلًا وصلوا حاملين رسالة إليك."

أومأ جونغكوك وأمره بالذهاب إلى غرفة الاجتماعات والانتظار مع صوفيا. ثم غادر دان كما أتى.

تواصل جونغكوك مع صوفيا عبر رابطة القطيع وطلب منها إحضار ما كانت قد أعدته مسبقًا إلى غرفة الاجتماع. كان من المفترض أن يحصل عليها في وقت لاحق، لكنه لم يتوقع أن يأتي الرد بهذه السرعة.

فكر للحظة في زوجات أصدقائه المقربين ليطلب من إحداهن الاعتناء بمولان، لكنه تذكر أن جميعهن الآن عند قبر زارا، إذ كن صديقات مقربات لها.

ولم يكن هذا مفاجئًا، فمعظم نساء القطيع كن على علاقة طيبة بها بسبب شخصيتها الاجتماعية ودورها الكبير في رعاية الأوميغا وقيامها بمهام اللونا في كثير من الأحيان.

تنهد جونغكوك بثقل تحت ضغط المسؤولية المتزايد وحزنه العميق على فقدان زارا، التي لم تكن مجرد مربية لابنته بل كانت من أقرب الأشخاص إليه. ومع ذلك، أدرك أن هذا ليس وقت الانشغال بهذه الأفكار.

كان عليه أن يركّز على الرجال الذين سيستقبلهم قريبًا.

عاد إلى غرفة مولان، وحملها بهدوء دون أن يوقظها، ثم غطاها بلحاف خفيف وخرج من المنزل متجهًا إلى بيت مستشاره أوزيريس.

منذ وفاة توفانا، لم تغادر والدتها المنزل. حبست نفسها داخل غرفة ابنتها، رافضة الخروج تمامًا إلى أن يأخذ القائد بثأرها.

طرق جونغكوك الباب، لكن لم يأتِ أي رد؛ فقد كانت الأوميغا رغم سماعها للطرق، ثابتة في مكانها، تحدق في السرير الفارغ دون حركة.

"ألفا!" ناداه الابن الثاني لأوزيريس من بعيد، عندما رآه واقفًا أمام المنزل حاملاً ابنته النائمة. ركض نحوه سريعًا واعتذر عن إبقائه بالخارج، لكن جونغكوك طمأنه بأنه لا بأس، وأنه جاء لزيارة والدته والتحدث معها.

لم يكن غريبًا على القطيع أن يقوم القائد بمواساة الأوميغا وجبر خواطرهم، خصوصًا بعد وفاة زوجته. لذلك فتح الشاب الباب ورحّب به بحرارة.

تأمل جونغكوك أرجاء المنزل بنظرة حزينة، مسترجعًا كل مرة زاره فيها سابقًا.

كانت علاقته بمستشاره أوزيريس قوية، خاصة وأن زوجة أوزيريس كانت خالة زوجته الراحلة. نشأ أبناء أوزيريس كأنهم إخوة أصغر له، خصوصًا توفانا، التي كانت دائمًا تركض نحوه وتعانقه بقوة وتجره إلى غرفتها لتريه ما صنعه والدها لها.

لكن هذه المرة، لم يركض نحوه أحد، ولا صوت يناديه باسمه، ولا طفلة تقفز إلى حضنه. فقط صمت ثقيل يملأ المكان.

"من هنا يا ألفا." قال ماثيو وهو يرشده إلى غرفة توفانا، رغم أن جونغكوك يعرف مكانها مسبقًا، لكن الأصول تبقى مهمة.

أومأ له بخفة وصعد خلفه إلى الطابق الثاني، حيث توجد الغرفة، وبجانبها مساحة صغيرة حوّلها أوزيريس إلى غرفة جلوس خاصة بابنته لتستقبل صديقاتها براحة.

طرق ماثيو الباب بلطف، ثم أخبر والدته أن القائد هنا ويرغب في التحدث معها. وبعد لحظات، جاء صوتها الضعيف بالإذن للدخول، حتى إن جونغكوك بالكاد سمعه.

دخل الغرفة ومولان لا تزال نائمة بين ذراعيه. وقعت عيناه على الألعاب المبعثرة والملابس الملقاة فوق السرير غير المرتب. كان واضحًا أن الغرفة لم تُلمس منذ آخر مرة كانت توفانا هنا.

ثم نظر إلى فيرنا الجالسة قرب الخزانة، تحمل بين يديها فستانًا أبيض مزينًا بزهور زرقاء صغيرة. تعرف عليه فورًا؛ كان الفستان الذي أهدته مولان لتوفانا في عيد ميلادها الثاني عشر قبل أشهر.

"إلى متى ستبقين هكذا يا سيدة فيرنا؟" سأل بهدوء وهو يغلق الباب خلفه، بينما غادر ماثيو لتحضير الشاي.

"لم يعد لدي شيء أعيش من أجله." قالت بصوت مبحوح.

كانت تبدو منهكة تمامًا؛ وجه شاحب، ملامح ذابلة، وعينان متورمتان من كثرة البكاء. لم تعد تشبه المرأة الجميلة التي كانت تنافس الشابات بجمالها، بل بدت كأن الحزن سرق منها سنوات عمرها دفعة واحدة.

"سيدة فيرنا، أنا أعلم كم يؤلمك فقدان ابنتك، لكن—"

"لا… أنت لا تعلم!" قاطعته بعنف قبل أن يكمل.

"لقد فقدت زوجتي…" قال جونغكوك بهدوء.

"لم يكن الشريك يومًا بمكانة الابن." قالت فيرنا بحرقة. "قد ينسى الإنسان شريكه مع الوقت، فالأيام تمضي والمشاعر تتغير يا ألفا… لكن الطفل مختلف. إنه جزء منك، خُلق منك. لا يمكن تجاوز فقدانه أبدًا."

ارتجف صوتها أكثر وهي تكمل: "رحيله يبقى جرحًا لا يلتئم… ينزف حتى آخر يوم في حياتك."

ساد الصمت بعد كلماتها، ولأول مرة منذ وقت طويل، لم يعرف جونغكوك ماذا يقول. أدرك أن المواساة لن تفيد، فالكلمات لا تستطيع تضميد هذا النوع من الألم. الشيء الوحيد الذي قد يخفف عنها… هو الانتقام لابنتها.

تجاوز كل ما يدور في رأسه، ثم قال بهدوء: "عندما أطلب من الجميع التجمع في وسط القطيع… هل يمكنكِ الحضور؟"

رفعت فيرنا نظرها إليه وحدقت طويلًا في عينيه السوداوين، تبحث عن شيء بداخله. ورأت هناك إصرارًا حقيقيًا، فهزت رأسها بالموافقة بصمت، ثم أعادت نظرها إلى الفستان الذي بين يديها بحزن.

"سأترك مولان هنا، أتمنى ألا يزعجك ذلك." لم ينتظر ردها. اقترب من السرير ووضع ابنته النائمة عليه برفق، ثم غطاها بلحافها الوردي قبل أن يغادر المنزل متجهًا إلى غرفة الاجتماعات، حيث كان مستشاره وصوفيا بانتظاره.

بعد رحيله، نهضت فيرنا ببطء وجلست على طرف السرير. ظلت تنظر إلى مولان النائمة بهدوء، والتي كانت تصدر شخيرًا خفيفًا بسبب ضيق تنفسها.

رفعت يدها المرتجفة وأبعدت خصلات الشعر السوداء عن وجه الطفلة، بينما تنهمر دموعها بصمت.

دخل جونغكوك الغرفة ولوّح بيده لصوفيا كي لا تنهض من مكانها. اتجه مباشرة إلى مقعده، ثم أشار لها لتبدأ الحديث.

قدمت الشابة زجاجات نبيذ باللون الفيروزي وقالت بهدوء: "هذا هو النبيذ الذي أخبرتك عنه ألفا.!" ثم وضعت بعض حبات أدوية على الطاولة وأكملت. "وهذا يمنع النبيذ من التأثير عليكم." 

"كم سيدوم مفعولها؟" سأل دان وهو يعدّل نظارته.

"يبدأ التأثير بعد دقيقتين إلى أربع دقائق تقريبًا، ويستمر لنصف ساعة. وإذا أردتم إطالة المدة، فقط عليكم تقديم كأس ثانية لهم!"

همهم جونغكوك برضا وهو يتفحص الزجاجات المرتبة أمامه، ثم قال: "يمكنكِ المغادرة الآن يا صوفيا."

أومأت له بهدوء وغادرت الغرفة دون إضافة كلمة أخرى. اتجهت نحو عيادة الطبيبة كارلا، حيث خصصت لنفسها غرفة صغيرة لصناعة العقاقير.

وفجأة، أمسكت يد قوية بذراعها وسحبتها إلى الجانب. صفعت اليد بغضب، ثم أخرجت منديلًا من جيب فستانها وبدأت تمسح ذراعها باشمئزاز، تحت نظرات الرجل الغاضبة.

"ماذا كان يريد منكِ الألفا؟" سأل الرجل بانزعاج واضح.

"هذا لا يخصك! وإذا تدخلت في حياتي مرة أخرى، فسأخبر القائد ليتصرف معك." أنهت كلامها وهي ترمي المنديل في وجهه بغضب، ثم غادرت المكان بملامح مستاءة.

ظل الرجل يراقب ابتعادها، غير مكترثة بنداءاته المتكررة، مما زاد من غضبه واستيائه من وضعهما المعقد.

"لا أفهم… لماذا تتدخل في شؤونها أصلًا؟" سأله صديقه الواقف بجانبه بحيرة.

"لأنها رفيقتي." أجاب بصوت منخفض، لكن الانزعاج كان واضحًا في نبرته.

"كانت رفيقتك… لا تنسَ أنها رفضتك."

في لحظة، أمسكه من ياقة ثيابه ومنعه من إكمال سخريته. قرّب وجهه منه وهمس بحدة: "أنا لم أقبل رفضها."

لكن صديقه تجاهله تمامًا، ووجّه نظره نحو الرجال الغرباء الذين دخلوا غرفة الاجتماعات برفقة المستشار أوزيريس.

استدار الآخر ليرى ما لفت انتباهه، فتجمد للحظة عند رؤية مجموعة من الرجال أصحاب البنية القوية والهيبة الواضحة. مجرد النظر إليهم كان كافيًا لمعرفة أنهم ليسوا مقاتلين عاديين.

كانت أجسادهم ضخمة لدرجة أن قمصانهم بدت وكأنها ستتمزق في أي لحظة. وللحظة، شعر البعض أنهم رجال لا يمكن هزيمتهم.

تجمع عدد من أفراد القطيع، ومعظمهم من الأوميغا، بسبب وجود أغلب الرجال في ساحة التدريب أو داخل الغابة للصيد.

لكن بشكل مفاجئ، عاد الجميع ووقفوا بجانب النساء، منتظرين خروج قائدهم.

وصلت صوفيا أيضًا وهي تحمل صينية فوقها ثمانية عشر كأسًا زجاجيًا وأربع زجاجات من النبيذ. تبادل الحاضرون نظرات الاستغراب، خاصة بعدما أدرك بعضهم أن الرجال الغرباء ينتمون إلى قطيع هيذر. فلماذا يتم استقبالهم بهذه الضيافة؟

اكتمل تجمع أفراد القطيع، باستثناء المحاربين الموجودين على الحدود. وحتى والدة توفانا، التي بقيت حبيسة منزلها منذ وفاة ابنتها، خرجت أخيرًا ووقفت في الصف الأمامي كما طلب منها جونغكوك.

ورغم هدوء المكان، إلا أن المشاعر كانت ثقيلة. الكراهية والحقد يملآن القلوب، والغضب واضح على الوجوه. الجميع ينتظر بترقب ما سيقوله قائدهم.

وفجأة، خرج جونغكوك من القاعة الكبيرة مبتسمًا، وخلفه مستشاراه، ثم تبعهم الضيوف الخمسة عشر.

وقف الجميع فوق المنصة، بينما راحت أنظار الحاضرين تتنقل بينهم بقلق واضح. تنحنح جونغكوك بصوت مرتفع ليجذب انتباه الجميع، ثم تحدث بصوت قوي محافظًا على ابتسامته:"لقد جمعتكم هنا اليوم لنقل خبر سعيد…"

ثم أكمل بعد لحظات من الصمت: "كنت قد طلبت مسبقًا يد ابنة السيد كيليان، قائد قطيع هيذر، لتكون رفيقتي ولونا لقطيعي." تجول ببصره بين وجوه أفراد قطيعه ثم تابع: "واليوم يسعدني أن أخبركم أن الرجال الذين أمامكم قد نقلوا إلينا موافقة قائدهم. سنصبح قريبًا عائلة واحدة مع قطيع هيذر."

في المقابل، لم يكن رد فعل القطيع كما توقعه. فقد شحبّت الوجوه فجأة، وتبادل الناس النظرات بذهول واضح، وكأن الكلمات لم تستوعب بعد. الصدمة جعلت الكثيرين عاجزين عن الكلام.

أما فيرنا، فبقيت واقفة بصمت، تحدق في القائد بملامح خاوية دون أي رد فعل يُذكر.

صعدت صوفيا إلى المنصة بإشارة من جونغكوك، وبدأت بملء الكؤوس ثم توزيعها على الرجال الثمانية عشر، متجاهلة النظرات المريبة التي وُجهت إليها أثناء ذلك.




يُتبع...



قد ترغب أيضًا في قراءة: 















تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل الأول

  في قبضة الجنرال: الفصل الأول تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة كانت ريفن تقف على سطح الأسطبل بهدوء، تراقب السماء الصافية والغيوم الخفيفة التي تمر ببطء. الهواء كان عليلًا، وفي الأسفل كان الخدم منشغلين بتنظيف الحديقة وترتيبها. بدت ريفن هادئة تمامًا، غارقة في تأملها دون أن تهتم بما حولها. فجأة ارتفع صراخ رجل في الأسفل، وهو يحاول سحب حصان أسود بعنف. عندها فقط أنزلت ريفن نظرها نحو مصدر الصوت، لكن ملامحها بقيت هادئة كما هي، دون أي ردة فعل واضحة. رفع الرجل رأسه نحو السماء بضيق واضح، وقد بدا محبطًا من عناد الحصان الأسود. تجولت عيناه فوق سطح الإسطبل حيث كانت ريفن تجلس، لكنه لم يرها، إذ أخفت نفسها بالسحر. أسندت ريفن ذقنها على راحة يدها، وحدقت في ملامح الرجل المستاءة بوجه خالٍ من أي تعبير. في الأسفل خرج رجل آخر من الإسطبل واقترب بحذر من الحصان الذي كان يصهل بعنف ويحاول التحرر. مد يده لمداعبته وتهدئته، لكن الحصان أصبح أكثر عدوانية، وارتفعت حوافره في الهواء بعصبية خطيرة. كانت ريفن تراقب المشهد بعينين ضجرتين، فالأمر لم يكن يستحق اهتمامها لولا شعورها بالملل. انسحب الرجل الآ...

رواية نمش أحمر/ الفصل الأول

  نمش أحمر: الفصل الأول جلست المرأة في غرفة باردة خالية من أي ملامح مريحة. لم يكن فيها سوى طاولة صغيرة ومقعدين متقابلين، شغلهما شخصان فقط؛ هي والرجل الجالس أمامها. استند الرجل إلى ظهر كرسيه، وعقد ذراعيه أمام صدره، بينما ثبت نظره عليها بهدوء دون أن يقاطعها. أما المرأة فكانت تتحدث بصوت متعب، تروي تفاصيل الجريمة التي ارتكبتها وتعترف بكل ما فعلته. إلى جانبهم امتد جدار زجاجي عاكس، يخفي ما وراءه عن الأنظار. وخلف ذلك الزجاج وقف عدة أشخاص يراقبون الجلسة بصمت، يستمعون إلى كل كلمة تخرج من فمها. عندما انتهت من اعترافها، ساد الصمت لبعض الوقت. نهض الرجل من مكانه، واتجه نحو الباب. خرج من الغرفة وأغلقه خلفه بهدوء، ثم أطلق زفرة طويلة، فقد أُزيح ثقلًا كبيرًا عن كتفيه. مدّ ذراعيه وحرّك كتفيه محاولًا التخلص من التصلب الذي أصاب جسده بعد ساعات من الجلوس. وقبل أن يلتقط أنفاسه تمامًا، لمح يدًا ممدودة نحوه تحمل كوبًا من القهوة الساخنة. رفع رأسه، فوجد صديقه يقف بجانبه. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه، شكره بصوت هادئ، ثم أخذ الكوب من يده.  قال كايو بمرح وهو يرفع كوب القهوة قليل...

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل العاشر

  في قبضة الجنرال: الفصل العاشر تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة اختفى الاستغراب من وجهيهما فورًا، وتجاهلا كل مشاعرهما الأخرى، ثم انحنيا مباشرة وقدما التحية لريفن باحترام كامل. ابتسمت ريفن بلطف وردت التحية بهدوء. في داخلها، شعرت بسعادة خفيفة بسبب تصرف الخادمة. مجرد دفاعها عنها بهذه السرعة كان يعني أن الخدم يحملون لها مشاعر جيدة بالفعل. قال ليام باحترام: "أعتذر لأننا لم نلتقِ بكِ ونقدم التحية في وقت أبكر، سيدتي." ابتسمت ريفن بلطف أكبر وقالت: "لا بأس، لابد أنكم كنتم مشغولين جدًا." اندُهش كل من ليام وزوي في داخلهما. أغلب النبلاء كانوا يوبخون من هم أقل منهم مكانة عند أي خطأ بسيط، لذلك بدا لطفها وتصرفها الهادئ غريبًا فعلًا. نظرت إليهما ريفن بتعاطف خفيف ثم سألت: "تبدوان مرهقين جدًا... لا بد أن القتال المستمر متعب." ازدادت حيرة الاثنين أكثر. بدا وكأن السيدة تجاهلت تمامًا حادثة قدومهما لأخذ الحجر صباحًا للدخول إلى القصر الأبيض. في الخلف، كانت مارلين تقف بصمت، وابتسامة مهتزة بالكاد ثابتة على شفتيها. منذ اللحظة التي ظهرت فيها ريفن، بدأ ليا...