التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رواية صياد اللآلئ/ الفصل الخامس والأخير

 


صياد اللآلئ: الفصل الخامس والأخير




مع مرور الأيام، بدأ جونغكوك يلتقط عنها تفاصيل صغيرة لم يكن يلتفت إليها من قبل، تلك الطريقة التي تضحك بها على أشياء بسيطة لا تستحق الضحك، حتى على تعليقاته السخيفة أحيانًا، أو ميلان رأسها حين تحاول فهم شيء من هذا العالم الغريب عليها، أو ذلك الوميض الذي يظهر في عينيها عندما تنظر إلى السماء ليلاً.

في إحدى الليالي، كانا يجلسان على الأريكة يشاهدان فيلمًا قديمًا بصمت مريح، وعندما بدأ التعب يتسلل إليها، أسندت سيلستين رأسها على كتفه دون تفكير.

في تلك اللحظة تحديدًا، شعر بشيء غريب ينقلب داخله، نبضه تسارع بشكل لم يعتده، وكأن قلبه فقد توازنه للحظة قصيرة.

حاول أن يقنع نفسه أن الأمر بسيط، مجرد لحظة عابرة لا تحمل أي معنى، وأنه يبالغ في تفسير شعور عادي، لكن تلك الفكرة لم تصمد طويلًا أمام ما كان يتكرر بعد ذلك.

صار قلبه يتغير في كل مرة يراها فيها تبتسم، أو عندما تناديه بصوتها العفوي ذلك الذي كان يزعجه في البداية ثم صار مألوفًا بطريقة مقلقة: "جونغكوكي". الاسم نفسه، الذي كان يثير ضيقه سابقًا، بدأ يبدو أخف، وأقرب، وكأنه صار جزءًا من شيء لا يود الابتعاد عنه.

تسللت تلك المشاعر إلى يومياته دون أن يلاحظ متى بدأت بالضبط، في لحظات بسيطة لا تبدو مهمة؛ عندما تفشل في الطبخ لكنها تضحك وكأن الأمر لا يعني شيئًا، أو حين تجلس بجانبه على الأرض تأكل الفشار.

وفي يوم كانا يمشيان فيه على الشاطئ عند الغروب، سمع ضحكتها تتصاعد فجأة بعد أن ارتطمت موجة بقدمها، فركضت بخفة على الرمال، بينما بقي هو واقفًا يراقبها بصمت أطول من المعتاد، وشعر بشيء داخله يضغط عليه بقوة، ليس سؤالًا واضحًا بقدر ما هو إدراك مباغت لشيء كان يتكوّن منذ فترة دون أن يعترف به.

"هل هذا هو؟" مرّر السؤال في داخله دون أن يجد له إجابة، لكنه هذه المرة لم يحاول الهروب منه.

عاد إلى المنزل تلك الليلة وهو يشعر أن شيئًا فيه قد تغيّر. لم يعد الأمر مجرد إعجاب عابر أو شعور يمكن تجاهله، بل صار واضحًا بالنسبة له أنه وقع في حبها. حب حقيقي وثابت، لم يكن يتوقع يومًا أن يشعر به بهذه القوة أو هذا العمق.

جونغكوك، المعروف ببروده وسخريته، بدأ يلاحظ أنه يتغير معها دون أن يشعر. لم تعد مجرد شخص يسبب الفوضى في حياته، بل أصبحت جزءًا من يومه لا يمكن الاستغناء عنه. صار يحب ضحكتها، وطريقتها البسيطة في التعامل مع الأشياء، وحتى فوضاها التي كانت تزعجه أحيانًا لكنها تجعله يبتسم في النهاية.

لم يكن من السهل عليه أن يعترف بهذا حتى لنفسه، لكنه كان يعرف أنه حقيقي… كان يحبها.

لم يكن حبّه مرتبطًا بمظهرها أو ظروفها، بل بشعور أعمق بكثير؛ كأنها ملأت فراغًا داخله لم يكن يعرف بوجوده من الأساس، وجعلته يرى الحياة بطريقة أخف وأهدأ.

وفي الليالي التي كانا يجلسان فيها أمام التلفاز، كان يكتفي بالنظر إليها وهي تتابع الشاشة بانتباه، ويبتسم بصمت. لم تكن تدرك أن وجودها وحده كان كافيًا ليغيّر الكثير في حياته، ولم تكن تعلم أن قلبه أصبح مرتبطًا بها بهذا الشكل.

ومع ذلك، كان هو يعرف أن الوقت سيأتي ليخبرها بكل ما يشعر به، لكن حتى ذلك الحين، كان يكفيه أنها بجانبه، تجعل حياته أكثر امتلاءً رغم كل الفوضى.

لم يكن جونغكوك من الأشخاص الذين يخططون لكل شيء مسبقًا، فهو اعتاد أن يعيش يومه كما يأتي، دون كثير من التفكير أو التعقيد.

لكن الأمر تغيّر تمامًا عندما تعلق الأمر بسيلستين، فقد بدأ يجد نفسه يفكر أكثر من المعتاد، يبحث عن الطريقة المناسبة واللحظة التي تبدو “صحيحة” ليقول ما في داخله.

لكن المشكلة كانت أنه لا يعرف كيف يفعل ذلك.

في إحدى الليالي، جلس في غرفته وسط فوضاها المعتادة، ممسكًا بهاتفه يبحث بشكل عشوائي عن أفكار لاعتراف رومانسي.

تمتم بسخرية وهو يقلب الخيارات: “على الشاطئ عند الغروب… مبتذل جدًا”، ثم توقف للحظة. رغم ذلك، لم يستطع إنكار أن الشاطئ هو المكان الذي يشعران فيه دائمًا براحة غريبة معًا.

الغروب… ربما هذا ليس سيئًا، فكر بهدوء، بينما بدأ القرار يتشكل في ذهنه.

في اليوم التالي، بدأ يجهز كل شيء. اشترى سلة طعام فيها ما تحبه عادة، وأحضر بطانية كبيرة ليجلسا عليها، واختار مكانًا هادئًا على الشاطئ بعيدًا عن الزحام، حيث يمكن أن يكونا وحدهما أمام الغروب دون إزعاج.

وعندما حلّ المساء، وقف أمام المرآة في غرفته يرتب مظهره أكثر من مرة، وهو شيء لم يعتد عليه أبدًا. كان التوتر واضحًا عليه. تمتم لنفسه وهو ينظر إلى انعكاسه: “هل يبدو هذا القميص جيدًا؟” ثم توقف فجأة وزفر بخفة: “لماذا أتكلم مع نفسي أصلًا؟”

كانت سيلستين تنتظره عند باب المنزل، ترتدي فستانًا بسيطًا ينسجم مع لون البحر وهدوئه. ما إن رآها حتى شعر بتوقف لحظة في داخله، وكأن كل ما كان يجهزه طوال اليوم تلاشى فجأة. حاول أن يتمالك نفسه، فهذا ليس الوقت المناسب للارتباك، لكنه لم يستطع إنكار أنها بدت مختلفة بطريقة جعلته يفقد توازنه لثوانٍ.

“جاهزة؟” سألها بابتسامة حاول أن يجعلها طبيعية.

“جاهزة دائمًا.” ردت وهي تبتسم بخفة، دون أن تلتقط ما كان يحاول إخفاءه من توتر.

وصلا إلى الشاطئ مع اقتراب الشمس من خط الأفق، حيث بدأت السماء تتدرج بين البرتقالي والذهبي في مشهد هادئ. جلسا على البطانية، وسيلستين انشغلت بالأكل الذي أحضره، فقد بدا الأمر بالنسبة لها مجرد نزهة عادية. قالت بين لقمتين: “هذا أفضل من كل محاولاتي في الطبخ.”

ضحك، لكن داخله كان يتحرك بعكس ذلك تمامًا. الوقت يمر بسرعة، وكل ثانية تقرّبه من اللحظة التي يحاول تجنبها وتأجيلها في الوقت نفسه.

ومع اقتراب الغروب من نهايته، أخذ نفسًا عميقًا وجلس أقرب إليها قليلًا، يحدق في البحر قبل أن ينطق أخيرًا: “سيلستين…”

رفعت نظرها إليه ومسحت فمها بهدوء. “ما الأمر؟ تبدو جادًا بشكل غريب فجأة.”

ابتسم ابتسامة صغيرة، وحكّ مؤخرة رأسه بتوتر واضح. “لا… لا شيء مهم، فقط… أردت أن أقول شيئًا.”

نظرت إليه بتركيز، تحاول أن تفهم ما يدور في داخله قبل أن يتحدث. “قل ما تريد يا جونغكوكي. لا تتركني أعلق هكذا.”

ابتلع ريقه ونظر إليها مباشرة، ثم بدأ يتكلم بصوت أهدأ مما اعتاد عليه. “منذ أن دخلتِ حياتي، كل شيء تغيّر. كنت أعيش أيامًا متشابهة بلا شيء يميّزها، ثم ظهرتِ أنتِ… بفوضاك وابتسامتك وطريقتك الغريبة في رؤية العالم. فجأة صار لحياتي معنى مختلف، وصار كل يوم أكثر خفة لأنك موجودة فيه.”

توقفت سيلستين في مكانها، تحدق به بصدمة واضحة.

أكمل وهو يحاول ألا يتراجع: “أنا لا أريد أن أكون مجرد شخص يوفر لك مكانًا لتبقين فيه. أريد أن أكون أكثر من ذلك… أريد أن أكون الشخص الذي تعتمدين عليه، الذي يساندك، والذي ينجح في جعلك تبتسمين حتى عندما يكون كل شيء صعبًا.” ثم ابتسم بخفة وأضاف بصراحة: “سيلستين… أنا أحبك.”

ساد صمت قصير. عيناها اتسعتا، وكأن الكلمات لم تجد طريقها إلى التصديق بعد، وقلبها كان يسبق ردها. “أنت… تحبني؟” قالتها بصوت منخفض فيه ارتباك واضح.

أومأ بهدوء، دون أن يبعد نظره عنها. “نعم. أحبك. وأريد أن أعرف… هل تعطينني فرصة لنكون معًا؟”

بقيت صامتة للحظة، ثم ابتسمت فجأة ابتسامة واسعة. “جونغكوك… أنت أغرب شخص عرفته في حياتي، لكني أحب هذه الغرابة.”

شعر بشيء من الارتياح يتسلل إليه عند سماعها، وتوتر اللحظة بدأ يتلاشى. “إذن… هذا يعني أنكِ موافقة؟”

“موافقة.” قالتها وهي تضحك بخفة، ثم أضافت بنبرة مازحة: “لكن إذا خذلتني، سأجعل حياتك صعبة جدًا.”

ضحك بصوت واضح، ثم اقترب منها ببطء. “لن أخذلك.”

ساد الصمت بينهما للحظة، ولم يعد يُسمع سوى صوت الأمواج وهي تضرب الشاطئ بهدوء. في تلك المسافة القصيرة بينهما، كان كل شيء أوضح من الكلمات.

اقترب أكثر، وعندما لم تتحرك مبتعدة، قبلها برفق، قبلة قصيرة لكنها محمّلة بكل ما لم يستطع قوله سابقًا. وعندما ابتعد قليلًا، نظر إلى ملامحها التي احمرّت بخفة وابتسم بهدوء. “هذا كان أفضل غروب في حياتي.”

نظرت إليه وابتسامتها لم تختفِ. “وأنا أعتقد أن هذا كان أغرب اعتراف في حياتي.”

ضحكا معًا بصمت خفيف، بينما كانت الشمس تختفي تمامًا خلف الأفق، تاركة السماء مملوءة بالنجوم، ومعها بداية شيء جديد بينهما.






يُتبع...



قد ترغب أيضًا في قراءة: 






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل الأول

  في قبضة الجنرال: الفصل الأول تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة كانت ريفن تقف على سطح الأسطبل بهدوء، تراقب السماء الصافية والغيوم الخفيفة التي تمر ببطء. الهواء كان عليلًا، وفي الأسفل كان الخدم منشغلين بتنظيف الحديقة وترتيبها. بدت ريفن هادئة تمامًا، غارقة في تأملها دون أن تهتم بما حولها. فجأة ارتفع صراخ رجل في الأسفل، وهو يحاول سحب حصان أسود بعنف. عندها فقط أنزلت ريفن نظرها نحو مصدر الصوت، لكن ملامحها بقيت هادئة كما هي، دون أي ردة فعل واضحة. رفع الرجل رأسه نحو السماء بضيق واضح، وقد بدا محبطًا من عناد الحصان الأسود. تجولت عيناه فوق سطح الإسطبل حيث كانت ريفن تجلس، لكنه لم يرها، إذ أخفت نفسها بالسحر. أسندت ريفن ذقنها على راحة يدها، وحدقت في ملامح الرجل المستاءة بوجه خالٍ من أي تعبير. في الأسفل خرج رجل آخر من الإسطبل واقترب بحذر من الحصان الذي كان يصهل بعنف ويحاول التحرر. مد يده لمداعبته وتهدئته، لكن الحصان أصبح أكثر عدوانية، وارتفعت حوافره في الهواء بعصبية خطيرة. كانت ريفن تراقب المشهد بعينين ضجرتين، فالأمر لم يكن يستحق اهتمامها لولا شعورها بالملل. انسحب الرجل الآ...

رواية نمش أحمر/ الفصل الأول

  نمش أحمر: الفصل الأول جلست المرأة في غرفة باردة خالية من أي ملامح مريحة. لم يكن فيها سوى طاولة صغيرة ومقعدين متقابلين، شغلهما شخصان فقط؛ هي والرجل الجالس أمامها. استند الرجل إلى ظهر كرسيه، وعقد ذراعيه أمام صدره، بينما ثبت نظره عليها بهدوء دون أن يقاطعها. أما المرأة فكانت تتحدث بصوت متعب، تروي تفاصيل الجريمة التي ارتكبتها وتعترف بكل ما فعلته. إلى جانبهم امتد جدار زجاجي عاكس، يخفي ما وراءه عن الأنظار. وخلف ذلك الزجاج وقف عدة أشخاص يراقبون الجلسة بصمت، يستمعون إلى كل كلمة تخرج من فمها. عندما انتهت من اعترافها، ساد الصمت لبعض الوقت. نهض الرجل من مكانه، واتجه نحو الباب. خرج من الغرفة وأغلقه خلفه بهدوء، ثم أطلق زفرة طويلة، فقد أُزيح ثقلًا كبيرًا عن كتفيه. مدّ ذراعيه وحرّك كتفيه محاولًا التخلص من التصلب الذي أصاب جسده بعد ساعات من الجلوس. وقبل أن يلتقط أنفاسه تمامًا، لمح يدًا ممدودة نحوه تحمل كوبًا من القهوة الساخنة. رفع رأسه، فوجد صديقه يقف بجانبه. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه، شكره بصوت هادئ، ثم أخذ الكوب من يده.  قال كايو بمرح وهو يرفع كوب القهوة قليل...

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل العاشر

  في قبضة الجنرال: الفصل العاشر تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة اختفى الاستغراب من وجهيهما فورًا، وتجاهلا كل مشاعرهما الأخرى، ثم انحنيا مباشرة وقدما التحية لريفن باحترام كامل. ابتسمت ريفن بلطف وردت التحية بهدوء. في داخلها، شعرت بسعادة خفيفة بسبب تصرف الخادمة. مجرد دفاعها عنها بهذه السرعة كان يعني أن الخدم يحملون لها مشاعر جيدة بالفعل. قال ليام باحترام: "أعتذر لأننا لم نلتقِ بكِ ونقدم التحية في وقت أبكر، سيدتي." ابتسمت ريفن بلطف أكبر وقالت: "لا بأس، لابد أنكم كنتم مشغولين جدًا." اندُهش كل من ليام وزوي في داخلهما. أغلب النبلاء كانوا يوبخون من هم أقل منهم مكانة عند أي خطأ بسيط، لذلك بدا لطفها وتصرفها الهادئ غريبًا فعلًا. نظرت إليهما ريفن بتعاطف خفيف ثم سألت: "تبدوان مرهقين جدًا... لا بد أن القتال المستمر متعب." ازدادت حيرة الاثنين أكثر. بدا وكأن السيدة تجاهلت تمامًا حادثة قدومهما لأخذ الحجر صباحًا للدخول إلى القصر الأبيض. في الخلف، كانت مارلين تقف بصمت، وابتسامة مهتزة بالكاد ثابتة على شفتيها. منذ اللحظة التي ظهرت فيها ريفن، بدأ ليا...