التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رواية صياد اللآلئ/ الفصل الرابع

 


صياد اللآلئ: الفصل الرابع





ساد الصمت لثوانٍ وهما يتابعان التلفاز، ثم فجأة التقط جونغكوك حفنة من الفشار ورماها على رأسها. التفتت إليه ببطء وقالت: «هل بدأت حرب الآن؟»

ضحك وقال: «مجرد إضافة بسيطة من المرح.»

التقطت حفنة من الفشار وردّت عليه وهي تقذفه بدوره: «هذا ما تسميه مرح؟ انتظر، سأريك كيف تبدو المعارك الحقيقية.»

وهكذا تحوّل المشهد الهادئ إلى معركة صغيرة، تطاير فيها الفشار في كل اتجاه، بينما امتلأت الغرفة بالضحك والفوضى معًا.

ومع مرور الوقت، تغيّرت العلاقة بين جونغكوك وسيلستين تدريجيًا رغم بدايتها المليئة بالمشاحنات والمواقف غير المتوقعة.

لم يكن ذلك التحوّل سهلًا على أي منهما، خصوصًا مع ظلّ الماضي الذي يربط بينهما؛ هو المرتبط بسلالة كانت سببًا في لعنتها، وهي التي قضت زمنًا طويلًا محبوسة داخل صدفة بسبب تلك اللعنة.

ومع ذلك، كان هناك شيء يتشكّل بينهما بصمت، شيء لا يُقال بوضوح لكنه يظهر في التفاصيل الصغيرة وفي لحظات السكون.

سيلستين، التي كانت في البداية تفتعل الإزعاج قدر ما تستطيع، بدأت تجد في وجوده نوعًا من الأمان غير المألوف. ورغم أن نظرتها الحذرة لم تختفِ تمامًا، إلا أن قربه منها صار أقرب إلى محاولة هادئة لتعويض ما كان، وكأن كلاهما يحاول إعادة ترتيب ما كسره الماضي بطريقته الخاصة.

أما جونغكوك، فكان يرى في سيلستين تناقضًا غريبًا يصعب فهمه؛ قوية ومخيفة أحيانًا، وفوضوية ومضحكة أحيانًا أخرى. تلك الساحرة التي كانت تُعامل ككائن أسطوري أصبحت جزءًا من حياته اليومية، بكل تفاصيلها الصغيرة التي جعلت الأيام معها لا تُنسى مهما كانت مرهقة.

في أحد الأيام، استيقظ ليجدها تحاول تركيب رف خشبي في غرفة المعيشة. كانت التعليمات مرمية على الأرض، والمسامير منتشرة في كل مكان.

نظرت إليه بثقة وقالت: «لا أحتاج مساعدتك.» وبعد دقائق فقط، سقط الرف فوق رأسها وهي تصرخ بغضب. وقف جونغكوك ينظر إليها محاولًا كتم ضحكته، ثم أخذ المطرقة منها بهدوء وأكمل العمل بنفسه.

وفي ليلة أخرى، كانا يجلسان على الأريكة يشاهدان فيلم رعب. ومع اقتراب أكثر مشهد مخيف في الفيلم، صرخت سيلستين فجأة، ليس بسبب الفيلم، بل لأن جونغكوك أكل آخر قطعة بيتزا دون أن يعرضها عليها.

لم يحتج الأمر إلى شجار طويل؛ مجرد نظرة غاضبة منها، ونظرة اعتذار منه، ثم مطاردة سريعة حول الطاولة انتهت بسقوطهما على الأرض وهما يضحكان.

وفي يوم آخر، حاول جونغكوك تعليمها ركوب الدراجة. بدت الفكرة جيدة في البداية، لكنها انتهت وهي تصرخ بانزعاج: «كيف أكون ساحرة ولا أستطيع ركوب هذه الأشياء؟!» ثم قفزت من الدراجة قبل أن تسقط داخل بركة ماء.

بدلًا من الغضب، حمل جونغكوك الدراجة على كتفه وعاد يسير بجانبها نحو المنزل، بينما استمر الاثنان في الجدال حول من كان السبب الحقيقي في الفشل.

في إحدى الليالي، كانت سيلستين تغسل الصحون بطريقة فوضوية كعادتها، وعندما دخل جونغكوك إلى المطبخ وجد الأرض مغطاة برغوة الصابون.

نظرت إليه بثقة وقالت: «هذه طريقة تنظيف حديثة.» حاول أن يبقى جادًا، لكنه انزلق فجأة وسقط على الأرض، فانفجرت سيلستين بالضحك وهي تمد يدها لمساعدته، لكنهما سقطا معًا بعد ثوانٍ وسط الفوضى والضحك.

ورغم كل اختلافاتهما، كان هناك رابط يكبر بينهما بهدوء. شيء غير واضح بالكلمات، لكنه كان حاضرًا في كل لحظة يقضيانها معًا.

لم تكن علاقتهما مثالية أبدًا، ولم تخلُ من المشاكل أو الفوضى، لكنها كانت مليئة بالضحك واللحظات الصادقة التي جعلهما يواجهان الماضي بطريقة أخف.

ومع الوقت، بدأ كل واحد منهما يشعر أن الآخر أصبح جزءًا ثابتًا من حياته، شخصًا يستطيع تحمل جنونه ومشاركة أيامه مهما كانت معقدة.

وفي إحدى الليالي الهادئة في خليج مانار، كان النسيم البارد يمر بين المنازل الصغيرة القريبة من البحر. خرج جونغكوك مع سيلستين يتمشيان بين الأزقة الهادئة، بينما كانت الأضواء الخافتة تضيء الطريق أمامهما.

كانا يتبادلان السخرية حول شكل المباني القديمة والرسومات العشوائية على الجدران، وسيلستين تضحك كلما اشتكى جونغكوك من اضطراره للانحناء بسبب الأبواب القصيرة.

لكن تلك اللحظة الهادئة لم تستمر طويلًا. عند إحدى الزوايا المظلمة، ظهرت مجموعة من الرجال. كانت ملامحهم قاسية، ونظراتهم مليئة بالخبث تحت ضوء القمر. كانوا خمسة رجال يقفون في طريقهما بثقة مزعجة، مما جعل سيلستين تتوقف عن الضحك وتنظر إليهم بحذر.

«مساء الخير يا صديقي.» قال أحد الرجال، وكان طويل القامة بشعر فوضوي وندبة طويلة على جبينه، بينما حمل صوته سخرية واضحة. «لديك رفيقة جميلة جدًا... ونرغب في التعرف عليها أكثر.»

رفع جونغكوك حاجبه ونظر إليهم بلا اهتمام، ثم أشار إلى سيلستين بإصبعه وقال ببرود: «آه، تقصدون هذه؟»

تقدم الرجل خطوة أخرى وقال بنبرة أكثر جدية: «بالضبط. سلّمها لنا ولن تحدث أي مشكلة. لا نريد الأذى لأحد، لكن فتاة مثلها لا يجب أن تبقى مع شخص مثلك.»

وقفت سيلستين بجانب جونغكوك وهي تحاول الحفاظ على هدوئها. لقد تعرفت عليه جيدًا، وعرفت أن تهديدًا كهذا عادةً كفيل بجعله ينقلب عليهم فورًا. ومع ذلك، كان قلبها ينبض بسرعة.

ثم تذكرت الحقيقة التي تكرهها؛ لم تعد الساحرة القوية التي كانتها في الماضي. قبيلة جيون سلبتها قوتها، وتركتها أضعف مما اعتادت أن تكون. بينما تحاول إخفاء توترها، تراجعت خطوة صغيرة للخلف دون وعي.

وفجأة، ابتسم جونغكوك، كان الموقف يسلّيه. نظر إلى الرجال وقال بسخرية: «حسنًا، أعتقد أننا نستطيع التفاهم.» ثم توقف لحظة قبل أن يكمل بثقة: «سأعطيكم إياها... لكن ليس مجانًا. كل شيء في هذه الحياة له ثمن.»

تسارعت أنفاس سيلستين ونظرت إليه بصدمة واضحة. تمتمت بين أسنانها: «هل أنت جاد؟» لكن جونغكوك لم يلتفت إليها حتى.

أما الرجال، فتبادلوا النظرات باستغراب من رده غير المتوقع. قال أحدهم ساخرًا: «ندفع؟ هل تظن الأمر مزحة؟ نحن خمسة وأنت وحدك، يمكننا أخذها بالقوة.»

هز جونغكوك كتفيه بلا اهتمام وقال: «يمكنكم المحاولة، لكن الدفع سيكون أسهل للجميع. صدقوني، هذه الفتاة ليست شخصًا تريدون التورط بسببه. ستندمون لاحقًا.»

اشتعل الغضب في عيني سيلستين وصرخت: «جونغكوك! ما الذي تفعله؟!» لكنه رفع يده بهدوء وكأنه يطلب منها التوقف عن الإزعاج.

وبعد لحظات من التفكير، قال الرجل صاحب الندبة: «حسنًا، كم تريد؟»

أجاب جونغكوك بنبرة ساخرة: «لديها شعر جميل، وأنتم خمسة... لذلك لن أقبل بأقل من خمسة آلاف روبية. أي مبلغ أقل من ذلك إهانة لي.»

تبادل الرجال الحديث بصوت منخفض، ثم عاد الرجل وقال: «لدينا ألفان وخمسمئة. خذها أو اتركها.»

ابتسم جونغكوك وقال: «سأكون كريمًا هذه المرة. ألفان وخمسمئة تكفي.»

أخرج الرجال المال وسلموه له. أخذ جونغكوك النقود يتفحصها، ثم التفت إلى سيلستين وقال بجدية مزيفة: «حسنًا، يبدو أنكِ حصلتِ على مالكين جدد.»

لكن قبل أن يقترب الرجال أكثر، ابتسم فجأة وقال بهدوء: «آه، بالمناسبة... هناك شيء نسيت إخباركم به.»

توقف الرجال ونظروا إليه بريبة. رفع جونغكوك يده، فظهر نور ذهبي خافت حوله للحظة. وبعد ثوانٍ، أصبحت نظرات الرجال فارغة تمامًا، ثم استداروا وغادروا المكان بصمت، تاركين المال خلفهم دون حتى أن ينتبهوا.

حدّقت سيلستين به بذهول قبل أن تصرخ: «لقد عبثت بذكرياتهم بالسحر! هل كنت تخطط لهذا منذ البداية؟!»

ضحك جونغكوك وقال بثقة: «طبعًا. يجب أن تثقي بي أكثر.»

ضيقت عينيها بغضب وقالت: «ثقة؟! مهما كانت خطتك، أنت بعتني لهم!»

رد وهو يعدّ النقود بهدوء: «وهذا ثمن طعامنا ليومين أو ثلاثة... حسب كمية أكلك طبعًا.»

مع مرور الأيام، بدأت العلاقة بين جونغكوك وسيلستين تصبح أعمق مما توقعه كلاهما. ورغم أن جونغكوك كان يختبئ دائمًا خلف المزاح والسخرية، إلا أن تصرفاته كانت تكشف جانبًا مختلفًا تمامًا منه. كان يهتم بها بطريقة صامتة، ويحميها وكأنها أغلى شيء يملكه، حتى دون أن يعلن ذلك بصراحة.

في إحدى الليالي الباردة، جلست سيلستين على الدرج الصغير أمام الكوخ المطل على الخليج، بينما كان جونغكوك عائدًا من المدينة يحمل سلة فيها بعض الفاكهة والحلوى التي يعرف أنها تحبها.

قال وهو يضع السلة أمامها بابتسامة خفيفة: «أحضرت لكِ أشياء بسيطة، فلا تتوقعي معجزة. ميزانيتي تعاني بسببك أصلًا.»

نظرت إليه سيلستين بخجل خفيف ممزوج بالإعجاب. كان دائم السخرية، لكن اهتمامه يظهر في التفاصيل الصغيرة أكثر من أي كلمات. فبمجرد أن جلس بجانبها، مد لها بطانية قبل أن تشتكي من البرد، ثم ناولها كوب شاي ساخن وكأنه يعرف مسبقًا ما تحتاجه.

وفي كل مرة كان يفعل شيئًا كهذا، كانت تشعر بحيرتها تكبر. كيف يمكن لشخص يبدو مستهترًا إلى هذا الحد أن يكون منتبهًا لكل تفاصيلها؟ وكيف يستطيع أن يجعلها تشعر بالأمان بهذه البساطة؟

كان جونغكوك يتصرف وكأن الأمر عادي، لكن سيلستين بدأت تدرك أن اهتمامه بها لم يعد مجرد مسؤولية أو شفقة، بل شيئًا أعمق بكثير مما أراد الاعتراف به.

في يومٍ آخر، كانا يتجولان في سوقٍ مزدحم حين اقترب منهما أحد التجار. حاول الرجل أن يقنع سيلستين بشراء بضاعته، لكنه تجاوز حدّ اللباقة وأمسك بذراعها ليجذب انتباهها. لم يمر سوى لحظة حتى أمسك جونغكوك بيد التاجر بقوة وأبعده عنها. «هل هذه طريقتك في البيع؟»

تراجع التاجر فورًا وأطلق ذراعها وبدأ يعتذر بتوتر واضح. ورغم أن جونغكوك لم يرفع صوته، إلا أن نظراته كانت كافية لتجعل الرجل يرتبك ويبتعد بسرعة. بعد ذلك ظل قريبًا من سيلستين طوال بقية الجولة، ليضمن ألا يقترب منها أحد مجددًا.

ترسخت تلك اللحظة في ذهنها. شعرت سيلستين لأول مرة أنها بأمان كامل بجانبه، حتى وسط الزحام أو المواقف غير المتوقعة.

ورغم صلابته وهدوئه الحازم، كان لديه جانب أكثر لطفًا يظهر في التفاصيل الصغيرة. كان يهتم بها دون أن تطلب منه ذلك، ويحاول أن يوفر لها ما تحتاجه حتى لو كان ذلك على حساب راحته. وعندما لاحظ أنها تشتاق إلى البحر، خطط لها مفاجأة صغيرة.

في إحدى الليالي، طلب منها أن تغمض عينيها وأخذها إلى شاطئ هادئ قرب الكوخ. هناك جهّز طاولة بسيطة وضع عليها أطباقها المفضلة، وزين المكان بأضواء صغيرة معلقة بين الأشجار.

قال بخجل نادر وهو يحك مؤخرة رأسه: «أعرف أنني لست بارعًا في مثل هذه الأمور، لكن اعتبريها محاولة أولى.»

نظرت سيلستين إلى الطاولة ثم إليه بصمت، ثم خفّ توتر ملامحها تدريجيًا. شعرت بشيء لم تختبره منذ زمن طويل، شعور بسيط لكنه دافئ: أن هناك من يهتم بها فعلًا دون مقابل.

ومع مرور الأيام، بدأت تدرك أن سخرية جونغكوك ومزاحه يخفيان شخصًا مختلفًا تمامًا؛ شخصًا يتعامل مع الحب بطريقته الخاصة، عبر الأفعال لا الكلمات. لم تكن تحتاج إلى اعترافات طويلة لتفهمه، فتصرفاته كانت أوضح من أي كلام.

كان بالنسبة لها أشبه بجدار تستند إليه عندما تتعب، وأشبه بدفعة خفية تدفعها للأمام عندما تتردد. وفي الوقت نفسه، لم يكن يحاصرها أو يغيّرها، بل يترك لها مساحة لتكون نفسها كما هي.

ومع ذلك، كان هناك شيء ثابت بينهما منذ البداية: الثقة. كانت تعرف، حتى في أسوأ لحظاتهما، أنه لن يتركها وحدها، وأن وجوده بجانبها لم يكن مؤقتًا أو عابرًا.

مرّت سنتان منذ دخلت سيلستين إلى حياته في ذلك الكوخ البسيط، الذي تحوّل تدريجيًا إلى عالم مشترك مليء بالتفاصيل اليومية. في البداية، كان يراه مجرد وضع غريب يحتاج إلى التأقلم، لكن مع الوقت أدرك أن هذا “الغريب” أصبح جزءًا لا يمكن فصله عن يومه، مهما حاول التذمر أو التظاهر بالملل، لأنه في النهاية كان يجد نفسه يبتسم أكثر مما يتوقع.

في صباحٍ عادي، استيقظ جونغكوك على صوت كسر زجاج يأتي من المطبخ. لم يحتج حتى للنهوض ليعرف من السبب. وعندما دخل، وجد سيلستين واقفة وسط الفوضى، تمسك طبقًا مكسورًا بيد، وملعقة خشبية في الأخرى وقد احترق طرفها.

سألها وهو يحدّق فيها بملل واضح: «ماذا تفعلين الآن؟»

أجابت بحماس وهي تنظر إلى الملعقة: «كنت أحاول قلي البيض، لكن النار كانت عدائية جدًا!»

رفع حاجبه ساخرًا: «عدائية؟ إنه مجرد موقد، ليس خصمًا في حرب.»

ردت بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها: «أنت لا تفهم! هذا الموقد يكرهني شخصيًا.»

تنهد واقترب منها ليأخذ الملعقة ويطفئ ما تبقى من أثر الحريق، بينما كانت تتابعه بنظرة مستاءة وكأنها هي الضحية في القصة كلها.

ومع مرور الوقت، لم يعد يفاجأ بفوضى المطبخ. فقد أدرك منذ فترة أن سيلستين قادرة على تحويل أبسط فكرة مثل إعداد الطعام إلى تجربة غير متوقعة تنتهي غالبًا بالدخان أو الفوضى.

حتى الحمام لم يكن بمنأى عن ذلك. فقد كان يعرف جيدًا أن دخولها إليه يعني اختفاءها لفترة طويلة. وفي أحد الأيام، وقف أمام الباب مغلقًا وقال بنفاد صبر: «سيلستين، هل تظنين أن الحمام فندق؟ لقد تجاوزتِ الساعة هناك!»

جاء صوتها من داخل الحمام: «أنا تقريبًا انتهيت! فقط أحتاج خمس دقائق إضافية.»

تنهد جونغكوك واقفًا أمام الباب: «قلتِ الشيء نفسه قبل نصف ساعة. ماذا تفعلين هناك؟ هل تعيدين رسم العالم بالبخار؟»

بعد لحظات خرجت أخيرًا، ملفوفة بمنشفة وشعرها مبلل، وقالت ببساطة: «هذا المكان الوحيد الذي أستطيع فيه التفكير بهدوء.»

رد عليها وهو يرمقها بنظرة مرهقة: «أفكارك تحتاج إلى توقيت. لدينا ماء محدود، وليس لدينا محيط كامل لإهداره كل يوم.»

لكن هذه لم تكن سوى بداية الفوضى اليومية المعتادة. فقد كان جونغكوك يكتشف باستمرار أن أي شيء يخصه قد يتحول في يد سيلستين إلى نسخة “معدلة” بطريقتها الخاصة، غالبًا بطريقة لا يمكن إصلاحها.

في أحد الأيام عاد ليجد قميصه المفضل معلقًا خارجًا، لكنه كان ممزقًا بشكل واضح. قال وهو يرفعه أمامها: «هذا قميصي المفضل… ماذا فعلتِ به؟»

أجابت ببراءة: «كان فيه ثقب صغير، حاولت إصلاحه… ربما بالغت قليلًا.»

نظر إليه بذهول: «قليلًا؟ هذا يبدو وكأنه تعرض لعملية إنقاذ فاشلة بعد كارثة.»

لكن بدل أن تتراجع أو تشعر بالحرج، ضحكت ببساطة وقالت: «اعتبره تصميمًا جديدًا. قطعة فريدة لا يمتلكها أحد غيرك.»

ورغم كل تلك الفوضى اليومية، كان جونغكوك يدرك في أعماقه أنه لا يريد تغيير أي شيء مما أصبحت عليه حياته. صحيح أن سيلستين كانت سببًا في كسر بعض أغراضه، وفي تحويل الهدوء إلى ضجيج غير متوقع، لكنها في المقابل جلبت شيئًا مختلفًا تمامًا؛ ضحكًا خفيفًا يأتي دون ترتيب، ودفئًا يجعل الأيام الثقيلة أقل قسوة.

في إحدى الأمسيات، كان جالسًا على الأريكة يشاهد التلفاز عندما جاءت سيلستين وجلست بجانبه وهي تحمل وعاءً من الفشار. ما إن نظر إليه حتى لاحظ أن بعض الحبات محروقة بشكل واضح.

قال بابتسامة ساخرة: «هل أحرقتِ الفشار أيضًا؟»

ردت وهي تأكل بلا اهتمام: «لا أحد مثالي.»

أجابها وهو يرمقها بنظرة جانبية: «صحيح، لكنك تقتربين جدًا من تسجيل رقم قياسي في هذا المجال.» ضحكت بخفة، واستمرت في الأكل دون انزعاج.

ومع ذلك، ورغم كل تعليقاته الساخرة، كان جونغكوك يعرف جيدًا أن وجودها إلى جانبه لم يكن مجرد صدفة عابرة. كان شيئًا غيّر حياته بشكل أعمق مما يتوقعه، حتى لو حاول إخفاء ذلك خلف مزاحه المعتاد.

ومع الوقت، لم تعد الفوضى مجرد أحداث يومية تحدث حوله، بل أصبحت جزءًا من داخله أيضًا، شيء هادئ وغريب أعاد تشكيل نظرته لكل ما حوله دون أن يشعر.

في صباح خريفي هادئ، كان يجلس على طاولة المطبخ يحتسي قهوته بصمت، حين دخلت سيلستين مرتدية أحد قمصانه القديمة الذي كان واسعًا عليها بشكل مبالغ فيه، بينما كان شعرها مبعثرًا وملامحها ما زالت تحمل أثر النوم، تتحرك بتكاسل.


رفع نظره نحوها وبقي صامتًا للحظة أطول مما اعتاد، كأنه يلاحظها لأول مرة بهذا الشكل، ثم انتبه لذلك الشعور الغريب الذي تسلل داخله فهز رأسه سريعًا، يحاول إبعاده، وتمتم في داخله أن الأمر لا يتعدى تأثير القهوة السيئة، مجرد مزاج صباحي عابر لا أكثر.

لكن الحقيقة لم تكن القهوة.








يُتبع...




قد ترغب أيضًا في قراءة: 









تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل الأول

  في قبضة الجنرال: الفصل الأول تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة كانت ريفن تقف على سطح الأسطبل بهدوء، تراقب السماء الصافية والغيوم الخفيفة التي تمر ببطء. الهواء كان عليلًا، وفي الأسفل كان الخدم منشغلين بتنظيف الحديقة وترتيبها. بدت ريفن هادئة تمامًا، غارقة في تأملها دون أن تهتم بما حولها. فجأة ارتفع صراخ رجل في الأسفل، وهو يحاول سحب حصان أسود بعنف. عندها فقط أنزلت ريفن نظرها نحو مصدر الصوت، لكن ملامحها بقيت هادئة كما هي، دون أي ردة فعل واضحة. رفع الرجل رأسه نحو السماء بضيق واضح، وقد بدا محبطًا من عناد الحصان الأسود. تجولت عيناه فوق سطح الإسطبل حيث كانت ريفن تجلس، لكنه لم يرها، إذ أخفت نفسها بالسحر. أسندت ريفن ذقنها على راحة يدها، وحدقت في ملامح الرجل المستاءة بوجه خالٍ من أي تعبير. في الأسفل خرج رجل آخر من الإسطبل واقترب بحذر من الحصان الذي كان يصهل بعنف ويحاول التحرر. مد يده لمداعبته وتهدئته، لكن الحصان أصبح أكثر عدوانية، وارتفعت حوافره في الهواء بعصبية خطيرة. كانت ريفن تراقب المشهد بعينين ضجرتين، فالأمر لم يكن يستحق اهتمامها لولا شعورها بالملل. انسحب الرجل الآ...

رواية نمش أحمر/ الفصل الأول

  نمش أحمر: الفصل الأول جلست المرأة في غرفة باردة خالية من أي ملامح مريحة. لم يكن فيها سوى طاولة صغيرة ومقعدين متقابلين، شغلهما شخصان فقط؛ هي والرجل الجالس أمامها. استند الرجل إلى ظهر كرسيه، وعقد ذراعيه أمام صدره، بينما ثبت نظره عليها بهدوء دون أن يقاطعها. أما المرأة فكانت تتحدث بصوت متعب، تروي تفاصيل الجريمة التي ارتكبتها وتعترف بكل ما فعلته. إلى جانبهم امتد جدار زجاجي عاكس، يخفي ما وراءه عن الأنظار. وخلف ذلك الزجاج وقف عدة أشخاص يراقبون الجلسة بصمت، يستمعون إلى كل كلمة تخرج من فمها. عندما انتهت من اعترافها، ساد الصمت لبعض الوقت. نهض الرجل من مكانه، واتجه نحو الباب. خرج من الغرفة وأغلقه خلفه بهدوء، ثم أطلق زفرة طويلة، فقد أُزيح ثقلًا كبيرًا عن كتفيه. مدّ ذراعيه وحرّك كتفيه محاولًا التخلص من التصلب الذي أصاب جسده بعد ساعات من الجلوس. وقبل أن يلتقط أنفاسه تمامًا، لمح يدًا ممدودة نحوه تحمل كوبًا من القهوة الساخنة. رفع رأسه، فوجد صديقه يقف بجانبه. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه، شكره بصوت هادئ، ثم أخذ الكوب من يده.  قال كايو بمرح وهو يرفع كوب القهوة قليل...

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل العاشر

  في قبضة الجنرال: الفصل العاشر تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة اختفى الاستغراب من وجهيهما فورًا، وتجاهلا كل مشاعرهما الأخرى، ثم انحنيا مباشرة وقدما التحية لريفن باحترام كامل. ابتسمت ريفن بلطف وردت التحية بهدوء. في داخلها، شعرت بسعادة خفيفة بسبب تصرف الخادمة. مجرد دفاعها عنها بهذه السرعة كان يعني أن الخدم يحملون لها مشاعر جيدة بالفعل. قال ليام باحترام: "أعتذر لأننا لم نلتقِ بكِ ونقدم التحية في وقت أبكر، سيدتي." ابتسمت ريفن بلطف أكبر وقالت: "لا بأس، لابد أنكم كنتم مشغولين جدًا." اندُهش كل من ليام وزوي في داخلهما. أغلب النبلاء كانوا يوبخون من هم أقل منهم مكانة عند أي خطأ بسيط، لذلك بدا لطفها وتصرفها الهادئ غريبًا فعلًا. نظرت إليهما ريفن بتعاطف خفيف ثم سألت: "تبدوان مرهقين جدًا... لا بد أن القتال المستمر متعب." ازدادت حيرة الاثنين أكثر. بدا وكأن السيدة تجاهلت تمامًا حادثة قدومهما لأخذ الحجر صباحًا للدخول إلى القصر الأبيض. في الخلف، كانت مارلين تقف بصمت، وابتسامة مهتزة بالكاد ثابتة على شفتيها. منذ اللحظة التي ظهرت فيها ريفن، بدأ ليا...