خريف ديسمبر: الفصل الثاني والأخير
«أنا لا اشاجر هنا، بل أخبرك عن تسلطك علي وعلى حياتي!»
تنهد جونغكوك من كلماتها، من الواضح أن الحديث سينتهي بكارثة؛ لذا فضل السكوت لكن الأخرى استمرت بالحديث. «مذ قبلتك حبيبًا وأنت تتأمر وتُجبرني على أفعال لا اريدها وكأن لا شخصية لي، مجرد جسد متحرك تسيره كما تريد!».
«هل انتهيتي؟»
«أهذا ما يهمك؟ انت حتى لا تحاول تفهم مشاعري!» صرخت بغضب من برودة الرجل أمامها. «لا أستطيع التفكير بشيء عندما أكون جائعًا!» ضربت سيسيليا يدها بجميع الصحون على المائدة لينسكب كل الطعام على الأرض. حدقت بغضب في الرجل الواقف دون حراك ثم اقتربت منه حتى تلامست أنوفهم.
«كف عن سخريتك، أنا جادة هنا!»
«من حقكِ أن تغضبي ولكن… فقط… لو أنه يستحق! ما رأيتهِ كان مجرد استعطاف، انتِ لن تفهمي حركات الرجال أكثر مني!» حاول جونغكوك قدر الإمكان أن يظل هادئًا كي لا تسوء الأمور أكثر! «بالتأكيد انت تفهم أكثر؛ حياتك كلها انقضت وانت بين أذرع النساء!»
«سأتجاوز هذه النقطة بما أنكِ على حق! لكن… يظل الحق معي بخصوص ذاك الوغد!»
«فقط غادر جونغكوك، لا اريد رؤيتك هنا!»
حدق جونغكوك في ظهرها وهي تبتعد متجهةً إلى غرفتها، وآخر ما سمعه، كان صوت الباب الذي أُغلق بقوة! نظر إلى الفوضى حوله لدقائق ثم تنهد بضيق، لم يتوقع مطلقًا أن الأمر سوف يسوء هكذا! أنهى تنظيف المطبخ ثم أعد طعامًا آخر كي تأكله سيسيليا فيما بعد. أخذ ورقة ملاحظات صغيرة باللون الأزرق وكتب عليها شيئًا ما ثم الصقها في باب الثلاثة.
غادر المنزل بهدوء جاعلًا بذلك الأجواء صامتة وثقيلة! مر الوقت وأصبحت الساعة التاسعة مساءً. استيقظت سيسيليا بعد أن كانت قد غفت بعد نوبة بكاء حادة. غسلت وجهها وحرصت على تدليك عينيها المتورمتين قبل الخروج لرؤية جونغكوك والتحدث معه.
عليهما أن يُنهيا الجدال الحاد بطريقة أفضل من تلك التي في الظهيرة. سيسيليا تعترف أنها اخطأت بتصرفها، ما كان عليها الانفجار بتلك الطريقة في وجه الرجل الذي تحبه، كان من الأفضل الجلوس والتحاور للوصول إلى نتيجة مرضية للطرفين!
مشكلة سيسيليا الأولى أنها دائمًا تُبقي ما يجرحها أو يضغط عليها نفسيًا سرًا بينها وبين نفسها. لكونها يتيمة عاشت حياة صعبة ومرت بالعديد من التجارب القاسية، تعلمت ألا تشارك شيئًا مع الآخرين، ومع أنها احبت جونغكوك وارتبطت به منذ سنة كاملة إلا أنها لا تزال حتى الآن محافظة على الكثير من عاداتها القديمة!
لا يمكنها الإنكار إطلاقًا جهود الرجل في الحفاظ على هذه العلاقة، لولاه لكانا منفصلين منذ اليوم الثاني من الارتباط. كلما فكرت وتعمقت سيسيليا في ذكريات علاقتها الغرامية رأت محاولات جونغكوك الدائمة في احتوائها، تفهمها وإغداقها بالحب!
تجولت سيسيليا في المنزل لكنها لم تجد احدًا، حاولت الأتصال به لكن هاتفه خارج نطاق التغطية! القلق بات يتسلل إلى قلبها والعديد من الأفكار السلبية اجتاحت عقلها لكنها نفضتهم جميعًا، مطمئنة نفسها أنه مصاص دماء قوي ولا يمكن أذيته!
حدقت في الطعام الذي برد فوق المائدة و المطبخ النظيف، كم أنبها ضميرها على جرح مشاعره ورمي ما أعده قبل ذلك على الأرض! تنهدت بقلة حيلة أثناء مسح الدموع التي انهمرت على وجنتيها الحمراوين. أخذت الصحون لتضعهم في الثلاجة حتى يعود جونغكوك ويتناولوا الطعام سويًا. عندها فقط وقعت عينها على تلك الورقة الصغيرة.
«لا تنتظريني!»
قربت سيسيليا الورقة من انفها وشمت رائحة جونغكوك العالقة بها. قررت إعداد قهوتها المفضلة ثم الجلوس في غرفة المعيشة بانتظار عودته! لكن ما لم تعرفه، انها ستنتظره طويلًا! يوم، يومان، اسبوع! لازال جونغكوك غائبًا ولا تزال سيسيليا تنتظره داخل منزلها!
مذ غادر جونغكوك، عاد منزل سيسيليا إلى أجوائه القديمة. الهدوء والصمت الدائم، وإذا كانت تشغل التلفاز في الماضي فالآن تبقيه مغلقًا ليكون بمقدورها سماع صوت الرجل من ذكرياتها! حتى الجامعة، لم تعد تذهب لها، لم تعد لديها أي رغبة في ممارسة أي شيء تحبه!
وضعت رأسها على المخدة التي كانت دائمًا في حضن جونغكوك بعد أن قامت برش بعضٍ من عطره عليها؛ فقد فقدت أشيائها رائحته بسبب طول غيابه وبات يتعين عليها رش عطره عليها! أغمضت عينيها المتورمتين وعادت بالزمن، إلى الليلة التي التقت فيها به!
في إحدى ليالي ديسمبر الباردة، قررت سيسيليا الذهاب إلى حانةٍ ما لتغيير روتينها الممل. ارتدت فستانًا أسود قصير، يظهر منحنيات جسمها الممشوق مع حذاء عالي بلون الذهب. جلست على إحدى المقاعد أمام البار مباشرةً وطلبت من الساقي نبيذًا فاخرًا!
لا بأس بصرف بعض المال، ليس وكأن ورائها عائلة تحتاج أن تدخر من أجلها. كأس، إثنان، ستة، فقدت سيسيليا وعيها وأصبحت ثملة تمامًا ومع ذلك لم تتوقف عن طلب المزيد.
«يبدو أنكِ لستِ متعودة على الشرب!» تحدث الرجل الذي بجانبها. حدقت بهِ سيسيليا مطولًا لكن لم تستطع تفسير ملامحه بسبب رؤيتها الضبابية. ضحكت بصوتٍ عالٍ ولحسن حظها صوت الموسيقى صاخب جدًا وإلا كان الجميع التفت لها!
«لديكِ ضحكة جميلة!»
همهمت له قبل أن تنزل من كرسيها وتترنح يمينًا وشمالًا، اقتربت منه ثم جلست في حضنه وبدأت بتقبيله وكأن ليس للغد وجود. رمى الرجل المال للساقي الذي لم يكن مهتمًا بما يحدث لتعوده على الوضع، ثم غادر حاملًا سيسيليا التي انتقلت إلى تقبيل رقبته وترك الكثير من علامات التملك هنا وهناك!
فتح باب غرفةٍ ما، سار باتجاه السرير ورماها عليه، آخر ما تتذكره سيسيليا في ما يخص ما جرى بعد ذلك كان… الكثير من الشعور بالرغبة والمتعة! في لحظة إدراك، فتحت سيسيليا عينيها. ماذا لو أن جونغكوك ينتظرها هناك، عند البار؟!
ركضت بسرعة إلى غرفتها وأخرجت ذات الفستان والحذاء من تلك الليلة، أرتدتهم على عجل وحاولت قدر الإمكان أن تضع نفس المكياج! أخذت حقيبتها الجلدية ثم خرجت متجهةً إلى الحانة. عندما وصلت، كانت الأجواء صاخبة كالمعتاد. سارت عبر الحشد الراقص متفاديةً أي تلامس غير ضروري.
نظرت إلى النادل الذي لا يزال محافظًا على وظيفته، ملامح جميلة وجسد لا بأس به. كيف لم تلاحظ ذلك من قبل؟ «أريد كأسًا من النبيذ الأحمر!» أومأ الآخر قبل وضع كأسٍ أمامها وملئه. تفحصت سيسيليا محيطها بالكامل بحثًا عن هيئة معينة لكنها لم تلمح أحدًا بالمواصفات المطلوبة!
في لحظة غفلتها وضع رجلٌ ما يده على فخذها العاري، جفلت كردة فعلٍ على ذلك. التفتت بسرعة إلى الشخص بنظرة غاضبة. أدركت منذ الوهلة الأولى أنه ليس الرجل الذي تنتظره؛ جونغكوك بارد كقطعة جليد كما أن يده كبيرة وأصابعه تحيط الجزء العلوي من فخذها بالكامل!
صفعت اليد بغيظ ووجه ممتعض، أخرجت بعض المال وأعطته للساقي ثم خرجت من هناك. كانت فكرة سيئة، القدوم إلى هنا! ماذا لو لم يكن جونغكوك موجودًا؟ ماذا لو انتهى بها الأمر مع رجل آخر؟ اغرورقت عيناها بالدموع وهي تمشي بمفردها في ذلك الشارع الفارغ!
فجأة، سحبتها يدٌ ما إلى زقاقٍ مُظلم ودفعها عنوةً باتجاه الحائط. لم تمتلك وقتًا لتفهم ما يجري فقد التصقت شفاهٌ غليظة بخاصتها وأجبرتها على تذوق طعم النبيذ اللاذع. حاولت التملص منه، ضربه بقوة على صدره وإبعاده لكنه كان أقوى منها بكثير!
هلعت سيسيليا عندما قام الرجل بالضغط على فخذها العاري ورفعها إلى خاصرته. أرادت الصراخ، طلب النجدة… أرادت مناداة جونغكوك لكن صوتها أبى الخروج وتنفسها بات يضيق أكثر وأكثر إلى أن اصبح كل شيء اسودًا، فقدت وعيها بين يدي رجلٍ ثمل!
وسط ظلمة دامسة فتحت سيسيليا سوداويتيها. هلعت فور تذكرها ما جرى لها، وجهها امتلئ بالعرق البارد ونبضات قلبها في تسارع مستمر. مسحت جبينها بكف يدها ثم بدأت بأخذ كميات كبيرة من الاكسجين وزفرها ببطئ لتنظيم تنفسها المضطرب!
من بعيد لاحظت نورًا ذهبيًا لامعًا وكان الوحيد الذي ينير تلك العتمة. نهضت سيسيليا وبدأت بالركض بسرعة باتجاه الضوء وكلما اقتربت وضحت الهيئة أكثر وأكثر إلى أن ثبتت… فجأة، بدأت سيسيليا بالبكاء بشكلٍ هستيري. حتى لو كان ما تراه ظهر الشخص فقط، قلبها يعرفه!
قلبها يعرف من هو هذا الشخص! هرولت سيسيليا باتجاهه ورغم أن قدميها لم تحملها، وسقطت مرات لا تحصى إلا أن استمرت بالركض، لم تسمح لضعفها أن يستولي عليها ويمنعها من معانقة الرجل الذي اشتاقت له!
«جونغكوك!» صرخت بأعلى صوتها، لكن الرجل لم يلتفت لها، بل بدء بالابتعاد عنها. وكلما ركضت سيسيليا باتجاهه، ابتعد عنها أكثر إلى أن أختفى تمامًا وعاد المكان مظلمًا مثل البداية. جثت على ركبتيها ويديها على رقبتها، تشعر وكأن احدًا ما يخنقها، تنفسها أصبح يضيق لدرجة لا يمكنها سحب جرعة أكسجين واحدة!
في اللحظة التي ظنت فيها أنها ستموت، فتحت عينيها على مصراعيها. شعرت بهواء بارد يلفح وجهها المتعرق. فحصت المكان من حولها، السرير الذي هي جالسة عليه، اللحاف الذي يغطيها… أنها في غرفتها. غطت فمها منعًا من خروج أي شهقة، فقط سمحت لعينيها بذرف مياهها!
بعد أن هدأت نفسها وبكت قدر ما تستطيع، غسلت وجهها بمياه باردة ثم خرجت من غرفتها. ما إن فعلت حتى ضربت رائحة الطعام الساخن أنفها. سارعت إلى المطبخ لترى جونغكوك يرتدي مئزرها الوردي ويجهز المائدة.
«استيقظتِ سُكر؟» سأل جونغكوك ما أن لمح هيئتها عند الباب. أقترب منها وأخذها في عناق دافئ عندما لاحظ صدمتها وسكوتها. فصل الجسدين ثم قبّل أنامل يديها العشرة قبل أن يردف مجددًا. «أنا آسف! لقد ضغطتُ عليكِ واجبرتكِ على شيء لا تريدينه. كان يجب علي أخذ رغبتكِ بعين الاعتبار! أعدكِ أن الأمر لن يتكرر!»
«أين كنت الأسبوع المنصرم؟» كان ذلك كل ما نطقت به وعيناها لا يكفان عن ذرف الدموع!
«أي اسبوع، سُكر؟»
«الاسبوع الذي تركتني فيه. تركتني وحدي داخل جدران هذا المنزل البارد! لقد اخبرتني انك لن تتركني، لن تفرط بي ابدًا… لقد ألقيت الكثير من الوعود على مسامعي! وماذا فعلت بعد ذلك؟! تركتني ورحلت» صرخت سيسيليا بقهر في وجه جونغكوك.
«هل تعرف كم كان الأمر مؤلمًا عندما قرأت كلماتك تلك؟ هدّأت قلبي في ذلك الوقت وقلت أنه سيعود بعد قليل، لكنك لم تعد! انا اكرهك جونغكوك… اكرهك!»
حاول جونغكوك أخذها في عناق لكنها رفضت و ابعدت يديه عنها. مسحت دموعها بقسوة وهمت بالمغادرة لكن الآخر أمسك بذراعها ومنعها من فعل ذلك! «عن ماذا تتحدثين سيسيليا؟ رسالة ماذا واسبوع ماذا!؟ أنا لم أغادر هذا المنزل ابدًا!» صرخ جونغكوك بغير وعي في وجه المرأة!
«لقد قلتي أنك لا تريدين رؤية وجهي ثم ذهبتي إلى غرفتكِ، انتظرتكِ مطولًا لكنكِ لم تخرجي لذا قررت المجيء والاعتذار لكِ لكني وجدتكِ مغمى عليكِ! عندها احضرت طبيبًا وقال أنكِ تعرضتِ لانهيار عصبي وفوق ذلك اتتكِ الحمى! طوال الأسبوع الفائت، كانت حرارتكِ مرتفعة وتهذين طوال الوقت!»
«هذيان؟» سألت بغير تصديق!
«اجل سُكر، كنتِ مصابة بنوبة هذيان طوال الأسبوع الفائت! كنتِ… ترددين كلامًا غير مفهوم!»
عاد جونغكوك إلى المائدة وأخذ كأسًا زجاجية مليئة بشرابٍ ما ثم أجبر سيسيليا على شربه بالكامل. شعرت الأخيرة برغبة في التقيؤ بسبب المذاق السيئ لكنها كبحت شعورها بصعوبة. «ما كان ذلك؟» سألت بينما تستند على جونغكوك كي لا تسقط.
«أنه مشروب مصنوع بشكل أساسي من زهرة «أبواق الجحيم» ومواد أخرى. من المفترض أنك اصبحتِ خالدة الآن!»
لم تفهم سيسيليا أي كلمة قالها، فجأة زاد الضغط على رأسها وقدميها أصبحتا اضعف لدرجة أنها كادت تقع لولا أذرع حبيبها الذي حملها وأخذها إلى غرفة المعيشة ثم أجلسها على الأريكة الموجودة. حدقت سيسيليا فيه وبدأت تتلمس وجهه بالكامل، بارد كما عهدته دائمًا.
في تلك اللحظة، تذكرت ذلك الرجل الذي أخذها قسرًا لأحد الأزقة وكاد أن يعتدي عليها. تأملت عينا جونغكوك المتوهجة باللون الأحمر الفاقع بينما يناظر خاصتها. «اعتقد اني رأيت كابوسًا سيئًا!»
ضغط جونغكوك بأصبعه الإبهام فوق بضع علامات تملك فوق رقبة حبيبته السمراء. متذكرًا بعض أحداث ليلة أمس، ربما عليه منع سيسيليا من متابعة الأخبار هذه الأيام! دفن رأسه في تجويف رقبتها ليصنع علاماته الخاصة فوق جلدها!
«مهما كان ما رأيتيه، تأكدي اني كنتُ موجودًا في الوقت المناسب!»
يُتبع...




تعليقات
إرسال تعليق
فيلومينا