التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رواية ضحية شرف/ الفصل الخامس

 


ضحية شرف: الفصل الخامس




ساد الصمت في الغرفة، وكل واحد من الأبناء غارق في أفكاره دون رد. قال أحدهم أخيرًا: "وماذا عن ميلينا؟ كيف سنخبرها؟ هي لا تتحدث معنا منذ تلك الليلة."

أجابه أباه بهدوء: " أمكم هي من تتحدث معها وتخبرها."

كانت ميلينا جالسة على أريكة مريحة في منزل أحد أعمامها، محاطة ببنات عمومتها اللواتي لم يتوقفن عن الحديث ووضع الخطط الغريبة.

كانت الغرفة مليئة بالضحك والأحاديث المتداخلة، وكلها تدور حول طريقة جذب انتباه جونغكوك، الذي أصبح موضوعهم الأساسي منذ أشهر.

أما ميلينا، فجلست بهدوء بينهم، دون أن تعرف أن والدها قد وافق بالفعل على طلب خطبتها من جونغكوك، وأن والدتها لم تجد بعد اللحظة المناسبة لإخبارها بذلك.

رفعت إحدى الفتيات رأسها فجأة وقالت بحماس: "ماذا لو ذهبت ميلينا إلى عشيرة فيرونا، وتحمل معها سلة كمثرى، ثم تمر بجانب جونغكوك قرب عمود الإنارة وتعرض عليه ثمرة؟" 

ساد الصمت للحظة، ثم بدأت الفتيات بالضحك، وهززن رؤوسهن رفضًا للفكرة. حتى ميلينا ابتسمت بسخرية خفيفة، فالفكرة بدت لها مبالغًا فيها وغير واقعية.

إضافة إلى ذلك، لم تكن قد تحدثت مع جونغكوك من قبل، ولم تجرِ بينهما حتى تحية بسيطة، لذلك شعرت أن الأمر سيكون محرجًا جدًا بالنسبة لها.

وبينما كانت الفتيات ما زلن يفكرن في خطط أخرى، فُتح باب الغرفة ودخلت شابة تبدو عليها ملامح الحزن. توقفت قليلًا ونظرت إليهن جميعًا، ثم سألت: "ماذا تفعلن هنا؟" 

ابتسمت إحدى الفتيات وقالت بخفة: "كالعادة، نحن نخطط لإغواء جونغكوك!"

نظرت الشابة إليهن بملامح خيبة أمل واضحة، ورأت أن ما يفعلنه لا معنى له. هذا التعبير جعل الفتيات يتبادلن النظرات، ثم سألت إحداهن بقلق: "ما بك؟ لماذا تبدين هكذا؟ هل حدث شيء؟"

سكتت الشابة للحظات، ثم رفعت نظرها نحو ميلينا تحديدًا. كانت نظرتها مليئة بالحزن، لأنها تحمل خبرًا صعبًا. في تلك اللحظة، شعرت ميلينا بتوتر مفاجئ، وبدأ القلق يتسلل إليها… هل حدث شيء لجونغكوك؟

تنهدت الشابة وقالت أخيرًا بصوت منخفض: "كنت عائدة من عشيرة فيرونا، ومررت بعشيرة جيون، وكان هناك شيء غير طبيعي يحدث. سألت طفلًا صغيرًا كان متجهًا إلى المتجر…"

توقفت مجددًا، مترددة في إكمال الكلام. ازداد توتر ميلينا أكثر، وبدأ قلبها يخفق بقوة وهي تنتظر ما ستقوله. ثم قالت الشابة أخيرًا: "جونغكوك… خطب لنفسه."

عمّ الصمت الغرفة، كلمات الشابة أوقفت كل الضحكات والهمسات دفعة واحدة. كانت الصدمة واضحة على الوجوه، لكن ميلينا بدت الأكثر تأثرًا. لم تقل شيئًا، فقط حدقت في الشابة بعينين متسعتين، تحاول استيعاب ما سمعته.

الخبر تردد في عقلها بلا توقف: "جونغكوك خطب لنفسه."

خفضت نظرها نحو الأرض، كان عقلها فارغًا تقريبًا، وكأن شيئًا بداخلها انهار فجأة. كل محاولاتها خلال الأشهر الماضية، كل الخطط التي شاركت فيها مع بنات عمومتها، بدت الآن بلا معنى.

تذكرت كل مرة وقفت فيها أمام المرآة، تختار ثوبها بعناية، وترتب شعرها على أمل أن يلاحظها. كل تلك اللحظات بدت الآن بعيدة وسخيفة. الحقيقة كانت أبسط وأقسى: لم تكن يومًا ضمن اختياراته.

رفعت رأسها ببطء ونظرت حولها. كانت الفتيات ما زلن في حالة صدمة، يتهامسن بصوت منخفض، لكن ما يشعرن به لم يكن شيئًا مقارنة بما كان يدور داخلها هي.

كانت تتساءل في داخلها: من تكون تلك المرأة؟ من هي التي خطفت قلبه؟ هل هي أجمل منها؟ أم أنها أقرب إليه من أي شخص آخر؟

شعرت بوخزة مؤلمة في صدرها حين خطر لها أنه ربما لم يرها سوى كفتاة ساعدته مرة، لا أكثر.

وضعت يدها على صدرها محاولة تهدئة نبضها المتسارع، لكن أنفاسها كانت ثقيلة. أغمضت عينيها للحظة تحاول السيطرة على نفسها، إلا أن الأفكار كانت تتدفق بلا توقف.

كل أحلامها التي نسجتها منذ أن بدأت تشعر تجاهه بالحب تحولت فجأة إلى شيء مكسور. كم مرة تخيلت أول حديث بينهما؟ كم مرة رسمت في ذهنها كيف ستقترب منه خطوة خطوة؟ والآن، كل ذلك انهار في لحظة واحدة.

"ميلينا؟"

رفعت رأسها ببطء لتجد إحدى بنات عمومتها تناديها بقلق، لكن صوتها لم يصلها بوضوح. وقفت بصمت تحاول أن تبدو متماسكة أمامهن، رغم أن داخلها كان ينهار. قالت بصوت منخفض بالكاد يُسمع: "أحتاج إلى بعض الهواء."

ثم خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة وثقيلة. عندما وصلت إلى الحديقة، توقفت عند جذع شجرة كبيرة، وأسندت ظهرها إليه وهي تنظر إلى السماء الرمادية التي بدت كأنها تعكس حالتها.

شعرت بدمعة ساخنة تنزلق من عينها، لكنها مسحتها بسرعة قبل أن تسقط. لم يكن الأمر مجرد خيبة أمل، بل شعورًا عميقًا بالفشل.

"هل لم أكن جميلة بما يكفي؟ أم أنه لم يرغب بي لأنني مطلقة وهو لم يتزوج من قبل؟" 

بقيت واقفة هناك لفترة طويلة، غارقة في أفكارها، تحاول قبول الحقيقة القاسية: أن جونغكوك لم يكن لها، وربما لن يكون أبدًا.

مع حلول الليل، خيّم الهدوء على المنزل الكبير. كانت ميلينا في غرفتها كعادتها، منعزلة منذ تلك الليلة التي حاول فيها والدها وإخوتها قتلها. منذ ذلك الوقت، لم تعد تتحمل رؤيتهم أو حتى التواجد معهم.

حاولوا مرارًا الاعتذار وإصلاح ما حدث، لكنّها رفضت الاستماع إليهم. بالنسبة لها، لم تكن الكلمات كافية لتمحو ما تركته تلك الليلة من أثر في داخلها.

وفي تلك الليلة، وبينما كانت تجلس في صمت، سمعت أصواتًا وضجيجًا يأتي من الخارج. كانت هناك حركة سريعة في الحديقة، وأصوات مرتفعة تقترب شيئًا فشيئًا.

تملّكها الفضول، فنهضت بهدوء، ووضعت شالًا على كتفيها، ثم خرجت من غرفتها متسللة عبر الممرات حتى وصلت إلى الحديقة دون أن يلاحظها أحد.

كانت الحديقة الداخلية مضاءة بمصابيح زيتية تتمايل ألسنتها مع نسيم الليل. المكان كان مكتظًا بأفراد العائلة: أعمامها، جدها، وعدد من أبناء العمومة. الجو كان خانقًا هناك.

في منتصف الحديقة، وقف الجد بوجه متجهم وعينين مليئتين بالغضب، وصاح بصوت قوي: "أنا لست موافقًا على هذا الزواج!"

تجمدت ميلينا في مكانها عند سماع ذلك، ثم اقتربت قليلًا لتستمع. عندها صرخ أحد أبناء الجد، وهو يبدو غاضبًا أيضًا، موجّهًا كلامه إلى والدها: "ثيودور، هل فقدت عقلك؟ ستزوج ابنتك من ابن جيون؟!"

قبل أن يرد والدها، تدخل شقيقها الأكبر بصوت حاد: "أنت لا تتدخل في شؤون عائلتنا! ابنك هو من شوّه سمعة أختي بلا أي حق!"

اشتد الغضب أكثر، وازداد التوتر في المكان. الجد استدار نحو الحفيد غاضبًا، ورفع يده ليصفعه، لكن ثيودور كان أسرع منه، فأمسك بيده في الهواء وأوقفه. وقال بصوت منخفض حاد: "لا تلمس ابني."

ساد الصمت للحظة، ما قيل جمد الجميع في أماكنهم. كان الجد أول من أظهر الصدمة، إذ حدّق في ثيودور بعينين متسعتين وكأنه لا يصدق ما سمعه. "هذا الكلام لي يا ثيودور؟!"

رد ثيودور بحدة واضحة: "ميلينا ابنتي، وأنا من يقرر من تتزوج. طلبها جيون جونغكوك مني رسميًا، وأنا وافقت."

كانت الكلمات كافية لتصدم ميلينا. توقف عقلها عن الاستيعاب للحظة، بينما بدأ قلبها يخفق بسرعة. هل هذا حقيقي؟ جونغكوك يريد الزواج منها؟

ارتجفت يدها وهي تمسك بطرف شالها، غير قادرة على استيعاب ما يحدث.

لكن قبل أن تحاول فهم الأمر أكثر، شعرت بيد والدتها تمسك بذراعها برفق. التفتت إليها ميلينا بعينين مذهولتين، لكن والدتها لم تترك لها فرصة للحديث، بل جذبتها بهدوء وهمست: "تعالي معي، لا أريدك أن تكوني هنا الآن."

سارت ميلينا معها بصمت، عقلها مشوش تمامًا. في الخارج، كان الجد لا يزال غاضبًا، يحدق في ابنه بغضب شديد وقال: "إذا زوجت ميلينا من ابن جيون، فأنت لست ابني ولا أنا والدك!"

ساد صمت ثقيل بعد كلماته، ثم أخذ ثيودور نفسًا عميقًا، وقال بهدوء حاسم: "أغلق الباب خلفك."

لم تكن الأوضاع في منطقة فيرونا أفضل مما هي عليه في منزل ميلينا. اجتمع الجد وأبناء العائلة في منزل تيانا، شقيقة جونغكوك الكبرى. كان الجو متوترًا، والحديقة الداخلية مليئة بالأصوات المرتفعة.

في المنتصف، وقف الجد ووجهه محمر من الغضب، وعيناه تضيقان بحدة وهو يقول: "ألم تجد غيرها يا جونغكوك؟ إنها ليست عذراء، بل مطلقة! هذا عار عليك وعلى العائلة كلها!"

لكن رغم كل الضجيج، كان جونغكوك جالسًا بهدوء على كرسي قريب. أمسك كوب الشاي بين يديه، ورشف منه ببرود، وملامحه بقيت هادئة بشكل مزعج للجميع.

اقترب والده منه، وصوته منخفض: "تذهب الآن وتخبرهم أنك لا تريدها، وإلا لن ترى مني خيرًا يا جونغكوك!"

رفع جونغكوك حاجبيه قليلًا، ثم أخذ رشفة أخرى من الشاي دون أن يرد، وكأنه غير معني بما يُقال.

هذا الهدوء أشعل غضب الحاضرين أكثر، لكن قبل أن يتصاعد التوتر، تدخل شون زوج تيانا وقال بهدوء: "اهدأوا، إنه مجرد زواج وليس حربًا."

ساد الصمت للحظة، ليس اقتناعًا بكلامه، بل استياءً من تدخله. ثم التفت الجد إليه بسرعة وقال بحدة: "أغلق فمك يا شون!"

لكن شون، على عكس توقع الجميع، لم يُبدِ أي توتر. وقف بهدوء وقال بصوت بارد: "سيد جيون، أنا لست أحد أبنائك لتتحدث معي بهذه الطريقة. أنا زوج حفيدتك، ومن حقي أن تحترمني."

شعر الجد بالإهانة، واشتد غضبه أكثر. اقترب منه بخطوات بطيئة ونظرة حادة وقال: "إذا لم تُرد أن تُطرد من العائلة، فالأفضل أن تصمت ولا تتدخل فيما لا يعنيك."

لكن شون لم يتحرك من مكانه، ولم يتغير صوته حين رد بهدوء أشد برودًا: "سيد جيون، إذا استمريت بهذه الوقاحة، سيتحول هذا النقاش إلى أمر عشائري خطير. ولا تنسَ أن عشيرة فيرونا أكبر بكثير من عشيرة جيون، وأنت لا تريد الدخول في صدام معها."

ساد صمت ثقيل. هذه المرة، لم يكن الصمت عاديًا. كلمات شون حملت تهديدًا واضحًا، والجد رغم غضبه لم يجد ردًا مناسبًا. كان يعلم أن ما قاله صحيح إلى حد كبير.

عشيرة فيرونا كانت كبيرة ومعروفة بقوتها، إذ إن عدد رجالها يفوق غيرها بشكل واضح، وذلك لأن نساءها كن ينجبن الذكور بشكل شبه دائم. وبسبب ذلك، يتزوج رجالها من خارج العشيرة لتعويض قلة النساء بينهم.

لكن الأهم من ذلك، ما يجعل عشيرة فيرونا مرعبة ليس أعداد رجالها فحسب، بل سمعتها في العنف والدموية. أنهم لا يترددون في سفك الدماء عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن عشيرتهم أو الرد على أي إهانة. مواجهة عشيرة فيرونا لم تكن خيارًا حكيمًا أبدًا.

تراجع شون بضع خطوات، ووقف بثبات أمام الجميع ثم قال بهدوء حاسم: "والآن، أطلب منكم مغادرة منزلي. وفي المرة القادمة التي تأتون فيها، تأكدوا أن يكون هناك احترام لأهل البيت."

نظر الجميع إلى الجد بانتظار رده. كان الغضب واضحًا على وجهه، لكنه لم يقل شيئًا. بعد لحظة صمت، استدار ببطء وبدأ بالمغادرة، وتبعه باقي أفراد العائلة واحدًا تلو الآخر بصمت ثقيل.

بقي شون واقفًا يراقبهم حتى خرجوا جميعًا، ثم عاد الهدوء إلى المكان.

جلس جونغكوك في مكانه، لا يزال يحمل كوب الشاي الفارغ بين يديه، وملامح الدهشة والإعجاب واضحة عليه. التفت إلى شون وقال بابتسامة خفيفة: "كان ذلك رائعًا! لماذا لم تدعمني عندما ذهبت لطلب يد ميلينا؟"

ابتسم شون بهدوء وأجاب: "لأني أردت منك أن تفعلها بنفسك. وإلا، من يستطيع أن يأخذ زوجة رجل من فيرونا؟"

لاحقًا، لم تكن الأمور في عشيرة جيون تسير كما أرادوا. بعد تصاعد الخلاف، أعلنت العائلة تبرؤها رسميًا من جونغكوك.

كان الخبر صادمًا له، وكذلك لعائلة ألدرين. ظنّت عشيرة جيون أن هذا القرار سيجبر ثيودور على التراجع، إذ كيف يوافق على زواج ابنته من رجل بلا عائلة تدعمه؟

لكن توقعاتهم لم تصب. فقد أصرّ ثيودور على موقفه، وقرر المضي في الزواج رغم كل شيء. هذا الإصرار زاد من غضب عشيرة جيون، لكنه تركهم عاجزين عن اتخاذ أي خطوة أخرى.

في يوم هادئ ومشمس، تسلل جونغكوك إلى بستان التفاح الخاص بوالده. كان المكان ممنوعًا عليه منذ إعلان تبرؤ العائلة منه، لكن ذلك لم يمنعه من العودة إلى المكان الذي نشأ فيه. رائحة التفاح الناضج وهدوء الأشجار من حوله أعطياه شعورًا بالحنين والسكينة.

بينما كان يتجول بحذر، وصل إلى حدود البستان حيث تلتقي أشجار التفاح بأشجار الكمثرى التابعة لعائلة ألدرين. توقف هناك قليلًا، يراقب البستان المقابل، ثم لمح ميلينا.

كانت تجلس مع شقيقتها الصغيرة على العشب تحت شجرة كمثرى. شعرها يتحرك بخفة مع النسيم، ووجهها يضيء تحت أشعة الشمس المتسللة بين الأغصان. كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا مزينًا بأزهار صغيرة.

وقف جونغكوك يراقبها بصمت دون أن يشعر بمرور الوقت. لم يكن متأكدًا مما يجذبه إليها تحديدًا، لكن قلبه كان يتفاعل بشكل غير معتاد معها.

فجأة رفعت ميلينا رأسها، وكأنها شعرت بوجوده. التقت عيناها بعينيه عبر حدود البستان، وتغيرت ملامحها فورًا. ظهرت عليها الصدمة، واحمرّ وجهها بسرعة، مرتبكة من وجوده المفاجئ.

شعرت ميلينا بخجل شديد. لم تتوقع أن تراه هنا، ولم تعرف كيف تتصرف أمامه. أبعدت نظرها بسرعة، تحاول تجاهل وجوده، لكن إحساسها بنظراته عليها جعل ارتباكها يزداد. أما جونغكوك، فبقي واقفًا مكانه يراقبها بهدوء، وابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيه وهو يرى خجلها الواضح.

بعد لحظات، وعندما رفعت رأسها نحوه مرة أخرى، أشار لها بيده لتقترب. تجمدت للحظة، مرتبكة من طلبه المفاجئ. صحيح أنها رأته مرات كثيرة من قبل، لكن هذه أول مرة يحاول التحدث معها مباشرة.

اقتربت ببطء نحو حدود البستان، وقلبها يخفق بتوتر. كانت تنظر إلى الأرض أكثر مما تنظر إليه، تحاول الهروب من عينيه. في المقابل، وقف جونغكوك بهدوء ينتظرها، ملامحه مريحة وابتسامة صغيرة على ثغره.

وعندما أصبحت قريبة منه، بقيت صامتة لثوانٍ، غير قادرة على رفع عينيها نحوه بالكامل. عندها قال بصوت هادئ: "ميلينا."

رفعت رأسها قليلًا وهمست بخجل: "نعم؟"

ابتسم أكثر وهو يلاحظ ارتباكها، ثم قال بلطف: "لم أركِ منذ أيام… كيف حالكِ يا قطعة السكر؟"

شعرت ميلينا بحرارة تصعد إلى وجهها فورًا. هل تغزل بها جونغكوك للتو؟! لولا أنها ثابتة مكانها، لشعرت أن قدميها ستخذلانها من شدة خجلها. قالت بصوت مرتبك: "بخير… وأنت؟"

رفع حاجبه قليلًا بينما يتسلى بردة فعلها، ثم قال: "أصبحت أفضل عندما رأيتكِ. بالمناسبة، أردت أن أسألكِ شيئًا."

رفعت عينيها نحوه للحظة قصيرة، ثم أعادها الخجل إلى الأرض. "ما… ما هو؟"

سألها مباشرة: "هل كنتِ موافقة على الزواج؟ أم أن والدكِ أجبركِ؟"

تفاجأت بالسؤال، ورفعت رأسها بسرعة تنظر إليه بدهشة. لم تتوقع منه هذا الاهتمام. ترددت قليلًا قبل أن تجيب بصوت خافت: "أنا… لم يُجبرني أحد. أمي أخبرتني… وأنا وافقت."

ابتسم بخفة وهز رأسه، لقد ارتاح لسماع جوابها. "جيد… أردت فقط أن أتأكد."

شعرت ميلينا أنها لم تعد قادرة على الوقوف أكثر. ارتباكها كان يزداد، وحتى ساقاها بدأتا ترتجفان بخفة. استدارت بسرعة لتغادر، لكن قبل أن تبتعد سمعت صوته يناديها مرة أخرى: "ميلينا."

توقفت والتفتت نحوه بتوتر. ابتسم لها ابتسامة صغيرة وقال: "أنا سعيد لأنكِ وافقتِ."

تمت الخطبة رسميًا، وأصبحت ميلينا خطيبة جونغكوك، وسط ضجة كبيرة بين عشيرتي جيون وألدرين. عائلة جيون رفضت تمامًا فكرة دخول فتاة من ألدرين إلى أراضيهم، لذلك اتخذ جونغكوك قرارًا لم يتوقعه أحد.

قرر أن يبني منزلًا جديدًا في أراضي عشيرة فيرونا، بعيدًا عن عائلته وكل المشاكل المحيطة بهما.

الكثير استغربوا قراره، لكن ميلينا شعرت براحة كبيرة لأول مرة منذ مدة طويلة. جونغكوك كان مستعدًا للتخلي عن راحته من أجلها، وهذا وحده كان كافيًا ليجعل قلبها يمتلئ بالمشاعر نحوه.

في أحد الأيام، خرجا معًا إلى السوق القريب من أراضي فيرونا. الطريق كان هادئًا، والهواء البارد يحرّك أطراف وشاح ميلينا الطويل. كانت تسير بجانب جونغكوك بخجل معتاد، بينما كان يحمل سلة صغيرة فيها بعض المشتريات.

نظر إليها جونغكوك مبتسمًا وقال محاولًا فتح حديث معها: "أتعلمين؟ أعتقد أنني سأحتاج لتناول طعامكِ كل يوم."

نظرت إليه بخجل واضح وهمست: "هل… هل أعجبك حقًا؟"

ضحك بخفة وقال: "أعجبني؟ هذا أفضل طعام تذوقته في حياتي."

احمرّ وجه ميلينا أكثر، وقالت بخجل: "أعتقد أنك تبالغ…"

لكن جونغكوك توقف فجأة عن المشي، مما جعلها تتوقف وتنظر إليه باستغراب. اقترب منها قليلًا، ثم قال بصوت خافت: "سأقول لكِ سرًا صغيرًا… طبخكِ أفضل من طبخ أمي."

اتسعت عيناها بصدمة، وحدقت فيه غير مصدقة. "جونغكوك! هذا… هذا شيء لا يجب أن تقوله!"

ضحك بصوت عالٍ وقال: "ولماذا؟ هذه الحقيقة. ربما يجب أن أخبرها حتى تتعلم منكِ."

غطت ميلينا وجهها بيديها من شدة الخجل، بينما أكمل جونغكوك السير وهو يضحك، تاركًا خلفه خطيبته التي بدت وكأنها ستذوب من الإحراج والسعادة معًا.

في يوم آخر، ذهبا إلى الشلال القريب من أراضي فيرونا. صوت المياه كان يملأ المكان، والهواء البارد يحمل رائحة الطبيعة المنعشة. جلس جونغكوك قرب حافة النهر، ممسكًا بخيط الصيد الذي ألقاه في الماء، وعيناه تراقبان السطح بتركيز شديد بحثًا عن سمكة.

على بعد خطوات من النهر، جلست ميلينا تحت شجرة كبيرة تحتمي بظلها من الشمس. كانت منشغلة بتحضير التوابل التي أحضرتها معها، تفرم الأعشاب وتجفف بعض الأوراق بهدوء، بينما تحرك الرياح شعرها الطويل برفق.

وفي يوم آخر مشرق، كانا في الغابة القريبة من القرية. ركضت ميلينا بين الأشجار بسرعة، وضحكاتها تملأ المكان بحيوية جميلة. خلفها كان جونغكوك يركض محاولًا الإمساك بها، يضحك وهو يلاحقها.

قال بصوت مرتفع: "ميلينا! لن أسمح لكِ بالهرب أكثر!"

التفتت إليه بابتسامة مشاغبة وقالت: "إذًا عليك أن تكون أسرع!"

استمرت بالركض، لكنها تعثرت قليلًا بجذر شجرة. استغل جونغكوك الفرصة وأمسك بذراعها بسرعة حتى لا تسقط. توقفت ضحكتها للحظة وهي تلتقط أنفاسها، لكنها شعرت بالأمان فور إحساسها بيده تسندها.

خلال هذين الشهرين، تغيّرت حياة ميلينا بالكامل. بعد سنوات طويلة من الألم والوحدة، بدأت تشعر لأول مرة أنها محبوبة حقًا. وجود جونغكوك بجانبها كان يخفف شيئًا من الجروح التي حملتها طوال تسعة عشر عامًا من حياتها.

بدأت حياتها تتغير من جديد، بخطوات هادئة تحمل الأمل، بجانب رجل لم يتردد يومًا في جعلها تشعر بأنها الأهم في حياته.

مرّت سنة كاملة منذ بدء البناء، ووقف المنزل أخيرًا مكتملًا وسط أراضي عشيرة فيرونا. كان بسيط التصميم، تحيط به حديقة صغيرة لم تُزرع بعد، لكنها كانت توحي بمستقبل مليء بالحياة.

السماء الصافية وضوء الشمس الذي ينعكس على النوافذ الكبيرة منح المكان دفئًا وهدوءًا واضحين.

في الداخل، كانت والدة ميلينا وشقيقتاها في المطبخ المؤقت، يجهزن بعض الطعام البسيط ويتحدثن بهدوء. جونغكوك كان حريصًا على بقائهن في المنزل الجديد، حتى لا يترك مجالًا للشائعات التي قد تعكر صفو زواجهما.

كان يدرك أن بعض أفراد عشيرته، وكذلك بعض من عشيرة ألدرين، ما زالوا يرفضون هذا الارتباط وينظرون إليه بعداء.

في إحدى الغرف، كان جونغكوك واقفًا في غرفة النوم المخصصة لهما. المساحة واسعة، والجدران مطلية بالأبيض، لكن الغرفة كانت فارغة تمامًا دون أثاث.

ظل يتأمل المكان وهو يتخيل كيف سيبدو عندما تملؤه ميلينا بذوقها الخاص. لم يكن يريد أن يفرض اختياراته أو يتبع تقاليد العشائر، حيث يُفترض بالرجال اتخاذ كل القرارات.

بالنسبة له، الأهم أن تكون هذه المساحة انعكاسًا لها، وأن تشعر بأنها مكانها الحقيقي، حيث تنتمي قبل أي شيء آخر.

بينما كان غارقًا في أفكاره، سمع خطوات ميلينا خلفه. التفت إليها بابتسامة خفيفة ومدّ يده نحوها قائلاً: "تعالي."

تقدمت نحوه بخجل، ويدها ترتجف قليلًا وهي تمسك بيده. كان في نظرتها مزيج من التردد والراحة، لأنها ما زالت تحاول تصديق أن هذا الرجل هو شريكها، وأن هذا المنزل سيكون لهما معًا.

سحبها برفق نحوه، ثم طبع قبلة خفيفة على جبينها. تركت تلك اللمسة أثرًا دافئًا على وجهها، فازداد احمرار خديها.

ابتسم لها وقال: "هل تسمعين؟"

نظرت إليه مرتبكة، ثم همست: "ماذا؟"

اقترب أكثر، وأحاطها بذراعيه بحماية رقيقة، ثم قال بصوت منخفض: "جدران المنزل تهمس… إنها تطالب بسيدتها."

شعرت بخفقان قلبها يتسارع. كانت الكلمات بسيطة، لكنها حملت معنى عميقًا بالنسبة لها.

كانت هذه اللحظة أشبه بحلم. كيف لرجل مثل جونغكوك، بكل حضوره وهيبته، أن يكون بهذه الرقة معها؟ وكيف يستطيع أن يجعلها تشعر وكأنها أهم ما في حياته؟

ابتسمت بخجل وخفضت نظرها وهي تقول: "أنت… أحيانًا أشعر أنك تقول هذه الأشياء فقط لترى وجهي محمرًا."

ضحك بخفة، بنبرة ممتلئة بالمرح والراحة: "إذا كنتِ تعتقدين ذلك، ربما عليّ أن أقول المزيد حتى أراه كل يوم."

في تلك اللحظة، أدركت ميلينا أن هذا المنزل، مهما كان شكله أو حجمه، سيكون أجمل مكان في العالم ما دامت معه.

شدّها جونغكوك إلى عناق أقوى، وكأنه يخشى أن يبتعد عنها ولو للحظة. كانت قريبة جدًا منه، دافئة بطريقة هدأت شيئًا عميقًا بداخله. نظر إلى شعرها البني الذي تفوح منه رائحة الأعشاب، وظل صامتًا، غارقًا في أفكاره.

متى بدأت هذه المشاعر؟ هل حين رآها أول مرة وهي تركض إليه بخوف؟ أم حين كانت مجرد وجود هادئ يمنحه شعورًا بالأمان؟

عاد من شروده بعد لحظات، وما زالت بين ذراعيه. ابتسم بهدوء، والإجابة أصبحت واضحة الآن. لم يكن هناك لحظة واحدة محددة؛ كان الأمر يتشكل تدريجيًا منذ البداية، من كل موقف صغير جمعهما، حتى أصبح جزءًا ثابتًا منه لا يمكن إنكاره.





يُتبع...


قد ترغب أيضًا في قراءة: 










تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل الأول

  في قبضة الجنرال: الفصل الأول تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة كانت ريفن تقف على سطح الأسطبل بهدوء، تراقب السماء الصافية والغيوم الخفيفة التي تمر ببطء. الهواء كان عليلًا، وفي الأسفل كان الخدم منشغلين بتنظيف الحديقة وترتيبها. بدت ريفن هادئة تمامًا، غارقة في تأملها دون أن تهتم بما حولها. فجأة ارتفع صراخ رجل في الأسفل، وهو يحاول سحب حصان أسود بعنف. عندها فقط أنزلت ريفن نظرها نحو مصدر الصوت، لكن ملامحها بقيت هادئة كما هي، دون أي ردة فعل واضحة. رفع الرجل رأسه نحو السماء بضيق واضح، وقد بدا محبطًا من عناد الحصان الأسود. تجولت عيناه فوق سطح الإسطبل حيث كانت ريفن تجلس، لكنه لم يرها، إذ أخفت نفسها بالسحر. أسندت ريفن ذقنها على راحة يدها، وحدقت في ملامح الرجل المستاءة بوجه خالٍ من أي تعبير. في الأسفل خرج رجل آخر من الإسطبل واقترب بحذر من الحصان الذي كان يصهل بعنف ويحاول التحرر. مد يده لمداعبته وتهدئته، لكن الحصان أصبح أكثر عدوانية، وارتفعت حوافره في الهواء بعصبية خطيرة. كانت ريفن تراقب المشهد بعينين ضجرتين، فالأمر لم يكن يستحق اهتمامها لولا شعورها بالملل. انسحب الرجل الآ...

رواية نمش أحمر/ الفصل الأول

  نمش أحمر: الفصل الأول جلست المرأة في غرفة باردة خالية من أي ملامح مريحة. لم يكن فيها سوى طاولة صغيرة ومقعدين متقابلين، شغلهما شخصان فقط؛ هي والرجل الجالس أمامها. استند الرجل إلى ظهر كرسيه، وعقد ذراعيه أمام صدره، بينما ثبت نظره عليها بهدوء دون أن يقاطعها. أما المرأة فكانت تتحدث بصوت متعب، تروي تفاصيل الجريمة التي ارتكبتها وتعترف بكل ما فعلته. إلى جانبهم امتد جدار زجاجي عاكس، يخفي ما وراءه عن الأنظار. وخلف ذلك الزجاج وقف عدة أشخاص يراقبون الجلسة بصمت، يستمعون إلى كل كلمة تخرج من فمها. عندما انتهت من اعترافها، ساد الصمت لبعض الوقت. نهض الرجل من مكانه، واتجه نحو الباب. خرج من الغرفة وأغلقه خلفه بهدوء، ثم أطلق زفرة طويلة، فقد أُزيح ثقلًا كبيرًا عن كتفيه. مدّ ذراعيه وحرّك كتفيه محاولًا التخلص من التصلب الذي أصاب جسده بعد ساعات من الجلوس. وقبل أن يلتقط أنفاسه تمامًا، لمح يدًا ممدودة نحوه تحمل كوبًا من القهوة الساخنة. رفع رأسه، فوجد صديقه يقف بجانبه. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه، شكره بصوت هادئ، ثم أخذ الكوب من يده.  قال كايو بمرح وهو يرفع كوب القهوة قليل...

رواية في قبضة الجنرال/ الفصل العاشر

  في قبضة الجنرال: الفصل العاشر تحذير: الرواية تتضمن مشاهد ناضجة اختفى الاستغراب من وجهيهما فورًا، وتجاهلا كل مشاعرهما الأخرى، ثم انحنيا مباشرة وقدما التحية لريفن باحترام كامل. ابتسمت ريفن بلطف وردت التحية بهدوء. في داخلها، شعرت بسعادة خفيفة بسبب تصرف الخادمة. مجرد دفاعها عنها بهذه السرعة كان يعني أن الخدم يحملون لها مشاعر جيدة بالفعل. قال ليام باحترام: "أعتذر لأننا لم نلتقِ بكِ ونقدم التحية في وقت أبكر، سيدتي." ابتسمت ريفن بلطف أكبر وقالت: "لا بأس، لابد أنكم كنتم مشغولين جدًا." اندُهش كل من ليام وزوي في داخلهما. أغلب النبلاء كانوا يوبخون من هم أقل منهم مكانة عند أي خطأ بسيط، لذلك بدا لطفها وتصرفها الهادئ غريبًا فعلًا. نظرت إليهما ريفن بتعاطف خفيف ثم سألت: "تبدوان مرهقين جدًا... لا بد أن القتال المستمر متعب." ازدادت حيرة الاثنين أكثر. بدا وكأن السيدة تجاهلت تمامًا حادثة قدومهما لأخذ الحجر صباحًا للدخول إلى القصر الأبيض. في الخلف، كانت مارلين تقف بصمت، وابتسامة مهتزة بالكاد ثابتة على شفتيها. منذ اللحظة التي ظهرت فيها ريفن، بدأ ليا...