نمش أحمر: الفصل الحادي عشر
حدق فيه الضابط دون أن يرمش، ثم قال دون تردد: "طالما أنت تقول ذلك، فهذا يعني أن هناك شخصاً ما بالفعل." لم يكن في كلماته أي شك أو حاجة إلى دليل، بل كانت ثقة مطلقة بقول جونغكوك، وهذا جعل الأخير يتنهد بارتياح عميق.
استدار باڤيل إلى ماڤيس التي كانت صامتة طوال الحوار، وقال بنبرة مهذبة: "آنسة ماڤيس، عودي إلى بيتك الآن. سأبقى مع جونغكوك لتفقد المنزل."
لكن ماڤيس لم تتردد للحظة، ونفت الأمر على الفور: "لا، سأبقى معكما. ولن تستطيعا إبعادي عن هنا بأي حجة كانت." شدت على ذراعيها وشبكتهما على صدرها، ووقفت بثبات، وكأنها تقول إنها لن تتحرك من مكانها مهما حدث.
أراد جونغكوك أن يقول شيئاً، لكن ملامح ماڤيس الجادة ونظراتها الحازمة جعلته يتراجع. كان واضحاً أنها لن تغادر المكان مهما حاولوا إقناعها، وأن الجدال معها في هذه اللحظة سيكون مضيعة للوقت.
تنهد باڤيل بصوت خفيض، وقال مستسلماً: "حسناً، سنتفقد المنزل معاً." ثم استدار ناحية المنزل المهجور وأضاف: "نحتاج في العادة إلى إذن من المحكمة للدخول، لكن بما أن المنزل مهجور، فسندخله دون تصريح."
أومأ الاثنان الآخران، وبدأوا يسيرون نحو المنزل. فتحوا باب الحديقة الحديدي ببطء، حذرين، ثم دخلوا. كانت ماڤيس أول من اتخذ موقعاً بجوار الباب الرئيسي، فأخرجت سلاحها وأمسكته بكلتا يديها.
نظر جونغكوك إليها بوجه متجعد وسأل بصوت منخفض: "ماذا تفعلين؟" شخرت ماڤيس بسخرية خفيفة وهمست: "يبدو أن الحمى أثرت على كفاءة عقلك."
تجعدت تعابير جونغكوك أكثر ومشى نحوها بخطوة غاضبة وهو يقول بصوت مكبوت: "كيف تجرؤين؟"
لكن باڤيل كان أسرع منه. أمسك الضابط جونغكوك من ياقة سترته قبل أن يخطو خطوة أخرى، وسحبه برفق إلى الخلف.
قال بصوته العميق الهادئ: "خذ مكانك على الجانب الآخر يا جونغكوك." زفر جونغكوك بانزعاج شديد، لكنه نفذ الأمر دون نقاش، وذهب ليتمركز على الجانب الآخر من الباب، بينما كانت ماڤيس تبتسم ابتسامة صغيرة منتصرة في صمت.
أخرج كل من جونغكوك والضابط أسلحتهما أيضاً، استعداداً لأي طارئ. ركع باڤيل عند الباب وبدأ بمحاولة فتح القفل القديم، وكانت أصابعه الغليظة تتحرك بحذر وسرعة غير متوقعة.
نظر جونغكوك إليه عن كثب، راغباً في تعلم هذه المهارة أيضاً، لكن يدي الضابط كانتا سريعتين وماهِرتين، فلم يتمكن من التقاط أي تفصيل واضح قبل أن يُسمع صوت طقطقة خفيفة، وانفتح الباب بهدوء.
نهض باڤيل، فرأى ابتسامة جونغكوك الواسعة وهو ينظر إليه. همس جونغكوك بإعجاب صادق: "أنت رائع!" وفي لحظة اندفاعه، نسي تماماً أنه يتحدث مع ضابط برتبة عقيد، وأضاف: "لديك مستقبل رائع في مهنة السرقة!"
تجمدت الابتسامة على وجهه عندما حدق باڤيل فيه بوجه فارغ للحظات طويلة، عندها فقط استوعب جونغكوك ما قاله بالضبط. قال باڤيل بصوت هادئ: "جونغكوك، لسانك هذا سيقودك إلى مشاكل كبيرة جداً إذا لم تتعلم السيطرة عليه."
خرج شخير خفيف من ماڤيس، فنظر إليها كلاهما. كانت تحاول جاهدة كتم ضحكتها، وشفتاها ترتجفان من الجهد المبذول لإخفاء ابتسامتها.
عبس جونغكوك بشدة، لكن ذلك لم يدم طويلاً، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة حين قال باڤيل لماڤيس: "الأمر يشملكِ أيضاً يا آنسة ماڤيس."
ارتعشت ابتسامتها وتلاشت بسرعة، وأصبح وجهها جاداً. كان هناك العديد من الضباط تحت إمرة والدها العميد، لكن الضابط باڤيل كان الوحيد القادر على توجيه التحذيرات إلى ماڤيس هكذا دون خوف من العقاب، وربما لهذا كان والدها يفضله على غيره.
كان باڤيل أول من دخل المنزل، ثم لحق به المحققان خطوة بخطوة في ظلام المكان الموحش. أشعل الثلاثة فلاشات هواتفهم، فأصبح المكان واضحاً أمامهم: أثاث مغطى بقطع قماش بيضاء متراكمة فوقها الغبار، وأرضية لا تظهر عليها أي آثار خطوات حديثة سوى آثار أقدامهم هم.
كان من حسن الحظ أن جميع المنازل في هذه المنطقة تمتلك التصميم نفسه، وهذا يعني أنهم قادرون على تفتيش المكان براحة أكبر، إذ يعرفون مسبقاً أين يقع كل شيء.
بعد أن تأكدوا أن غرفة المعيشة خالية تماماً، توجه الثلاثة إلى المطبخ. دخل باڤيل وحده، بينما وقف جونغكوك وماڤيس عند المدخل يضيئان له. كان المطبخ فارغاً أيضاً، لا شيء فيه سوى خزائن مغلقة وغطاء من الغبار يغطي الأسطح.
هذا يعني أن المكان الوحيد المتبقي هو غرفة النوم في نهاية الممر الطويل المظلم.
مشوا إليها ببطء، حذرين، وأصوات خطواتهم تكاد لا تُسمع على الأرضية الخشبية القديمة. اتخذ كل من جونغكوك وماڤيس جانبيهما من الباب، بينما وقف باڤيل في المنتصف.
رفع سلاحه، وأشار إليهما بالاستعداد. ثم فتح مقبض الباب ببطء شديد، وقبل أن يدفعه، نظر إلى الاثنين للحظة، وعندما أومأ كلاهما برأسهما، دفع الباب بساقه بقوة فانفتح على مصراعيه.
سمعوا صراخاً مذعوراً من داخل الغرفة، فدخل الثلاثة بحذر ووقف كل منهم بعيداً عن الآخر ببضع خطوات، متخذين مواقع تمكنهم من رؤية الزوايا كافة.
أمامهم كان رجل نحيل، عظام وجهه بارزة بشكل مريب، وملابسه ممزقة بالية تبدو وكأنها لم تُغسل منذ أشهر. ألقى الثلاثة نظرة سريعة على بعضهم، ثم أخفضوا أسلحتهم ببطء عندما تأكدوا أنه لا يحمل سلاحاً في يديه الظاهرتين.
كان الرجل مذعوراً، عيناه واسعتان تنقلان بينهم بسرعة، وجسده يرتجف كأنه على وشك الانهيار. قال بصوت متقطع: "أرجوكم... لا تقتلوني!" تقدم باڤيل خطوة ليتفحصه عن قرب، إذ بدا الرجل كمتشرد عادي لا يشكل خطراً، وفتح فمه ليطمئنه.
لكن فجأة، ودون سابق إنذار، ركض الرجل نحو ماڤيس بسرعة مفاجئة، وفجأة انعكس ضوء الفلاش على جسم معدني صغير في يده، سكين صغير، لم يروه من قبل لأنه كان مخفياً خلف فخذه. رأى جونغكوك ذلك، فاتسعت عيناه وهمس بقلة حيلة وصوت مبحوح: "ليس في ذلك الاتجاه أيها الأحمق!"
ما إن اقترب الرجل من ماڤيس حتى تحركت كالبرق. ركلته بين ساقيه بدقة متناهية، تأوه الرجل وأنزل ذراعيه غريزياً إلى مكان الإصابة، فاستغلت ماڤيس الفراغ ووجهت له لكمة قوية إلى وجهه، أطاحت به أرضاً كالجذع المقطوع.
من جانبه، وضع جونغكوك يديه بين ساقيه وتأوه من الألم تعاطفاً، وكانت ملامحه متعذبة كأن الضربة طالته هو شخصياً. حتى الضابط باڤيل، الرجل الصلب الذي لا يهتز، ارتبك للحظة وجفل بجسده قبل أن يعود إلى هدوءه المعتاد.
عدلت ماڤيس قميصها بسرعة، ثم نظرت إليهما: "أعتقد..." لكنها صمتت فجأة. كان تعبيرها فارغاً تماماً، وقد تجمدت عيناها على مشهد غير متوقع: جونغكوك واقف، يداه مضمومتان بين ساقيه، ووجهه يتلوى بألم تعاطفي غبي.
وما إن رآها تنظر إليه حتى أبعد يديه بحرج شديد، ثم بدأ يحركهما في الهواء، وقال بصوت متلعثم: "الأجواء هنا... منعشة للغاية."
استمرت ماڤيس في التحديق فيه لوهلة، عيناها نصف المغمضتين تتأملان الرجل الذي أمامها. ثم قررت في قرارة نفسها ألا تتحدث عن الأمر، فالموقف محرج لكليهما.
وما الذي كانت ستقوله أصلاً؟ "لماذا وضعت يديك هناك؟" أو "هل تألمت أيضاً؟" كل ذلك سيكون قلة أدب منها بلا شك. وهي سيدة نبيلة تربت على الآداب، ولا يمكنها قول شيء كهذا. فاكتفت بنظرتها الفارغة التي تقول كل شيء دون أن تنطق بحرف.
إلى جانبهما، كان باڤيل قد ركع بالقرب من الرجل الذي كان لا يزال يصرخ ويتأوه على الأرض، ممسكاً بجرحه يقع تحت بنطاله.
قال باڤيل بتنهيدة عميقة: "سننتظر قليلاً حتى يهدأ هذا الرجل."
بعد مضي بعض الوقت، وصراخ الرجل الذي لم يتوقف إلا عندما بدأ صوته يبح، قرر باڤيل استخدام سلاحه لإسكاته. ما إن رأى الرجل فوهة المسدس مصوبة نحو وجهه حتى أغلق فمه على مضض، وعيناه المتسعتان ترمشان بذعر.
سأله باڤيل ببرود شديد: "من تكون؟"
تردد الرجل وابتلع ريقه بصعوبة. كان يحدق في المسدس القريب من وجهه ثم أجاب بتلعثم: "من... من أهل المنزل."
لم يكن لدى باڤيل أي نية في استخدام الهدوء والصبر في هذا الاستجواب. رفع سلاحه قليلاً، ثم سحب زناده إلى الخلف ووضعه فوق جبين الرجل المذعور الذي كان عرقه يتصبب.
ثم تسائل بصوت مسموع: "سأذكر في التحقيق أنني قتلته دفاعاً عن النفس. هل تمانعان ذلك؟"
رفع الرجل رأسه بوجه مرعوب، عيناه تتسعان وتضيقان وهو ينتقل بين الثلاثة. التقت نظراته مع وجه جونغكوك الخبيث، حيث كانت زوايا شفتيه مرتفعة بشكل مخيف، وعيناه متسعتان ببرود، وقال بنبرة مظلمة ودموية: "دعنا نقوم ببيع أعضائه قبل قتله."
ارتعش جسد الرجل بالكامل من الكلمات، أما ماڤيس فكانت تحدق في جونغكوك بوجه متجعد من تصرفاته الطفولية التي لا تنتهي، وأرادت أن تقول بشدة: "كف عن قول الهراء!"
"لا!" صرخ الرجل بصوت مبحوح. "سأخبركم بكل شيء! أنا... كنت أعيش في الشارع، ثم وجدت هذا المنزل المهجور وقلت... أعيش فيه إلى أن ينتهي الشتاء..."
تغيرت تعابير الثلاثة إلى أخرى فارغة، نظراتهم التي كانت حادة تحولت إلى ملل واستغراب. بعد لحظات صمت، رمقه باڤيل بضجر وقال: "إذاً أنت متشرد... واستوليت على منزل مهجور."
أومأ الرجل برأسه بتوتر شديد: "أجل... لكن... أنا فقط قلت أن البقاء هنا أفضل من البقاء في الخارج. أعني... أيهما أفضل؟! البقاء في منزل مهجور أم في الشارع؟"
لأول مرة، ظهرت على وجوههم تعابير غير مصدقة من مدى وقاحة هذا المتشرد. نظر إليه جونغكوك بوجه جامد، ثم قال بهدوء: "الأفضل هو إيجاد عمل يعزك عن الحاجة إلى ممتلكات الآخرين."
أما باڤيل، الذي ابتعد قليلاً عن المتشرد، فأخرج هاتفه المخصص للتواصل مع القسم واتصل بهم. "هذا المحقق باڤيل، أحتاج إلى وحدة في العنوان الذي سأرسله لكم حالاً..."
وبعد أن ذكر العنوان بدقة، أغلق الهاتف وأعاده إلى جيبه. خفض بصره إلى الرجل الجالس على الأرض، وأضاف ببرود: "بغض النظر عن ظروفك، أنت تعديت على ممتلكات الآخرين، وهاجمت محققة برتبة نقيب، تابعة للمباحث."
لم تكن ماڤيس يوماً من النوع الذي يتباهى بوظيفته أو يفرح بالتصفيق على أعمالها. لكن سماع جملة "نقيب تابعة للمباحث" هكذا، أمام جونغكوك، جعل زوايا شفتيها ترتفع بفخر صغير لا إرادي.
نظرت إلى جونغكوك بنظرة فيها شيء من التحدي الصامت، فرأت وجهه الممتعض لأنه لم يحصل على مديح مثلها.
لم يكن جونغكوك راضياً أبداً بهذا التفاوت في التقدير، فنقر كتف باڤيل برفق. نظر باڤيل إليه مستغرباً، فأشار جونغكوك إلى نفسه بإبهامه، وكأنه يقول: "وأنا؟ ألست موجوداً هنا؟"
قلب باڤيل عينه بضجر شديد من تصرفات هذا المحقق الطفولي، لكنه نظر إلى المتشرد وأضاف بنبرة جامدة: "وقمتَ بإزعاج محقق برتبة رائد." وأشار بيده إلى جونغكوك بتسليم منهك.
ابتسم جونغكوك ابتسامة عريضة ماكرة، ونظر إلى ماڤيس منتصراً، فرأت تعابيرها تتجعد من تصرفه السخيف، بينما كان المتشرد يحدق فيهم جميعاً بخوف.
قرر جونغكوك تجاوز الموقف، وسعل بصوت خفيف جذب انتباههم إليه، ثم قال بابتسامة صغيرة وماكرة: "انظر إلى الجانب الإيجابي من الأمر... ستقضي الشتاء في السجن، وسيكون لديك طعام مجاني."
هز باڤيل رأسه بعجز، وفكر: "هذا الرجل لا يتغير". كان من المفترض أن يعرف أن جونغكوك سيقول شيئاً غبياً في أي لحظة، ليس فقط بسبب عملهم معًا منذ سنوات، بل لأنه صديق أخيه المقرب، ويقضيان وقتاً معاً خارج ساعات العمل، ويعرف طباعه جيداً.
أما ماڤيس فنظرت إليه بشيء من عدم التصديق المطلق، وكاد صبرها أن ينفد تماماً، وسألت بنبرة حادة: "هل أنت جاد الآن؟"
يُتبع...
الفصل التالي الفصل السابق الفهرس


تعليقات
إرسال تعليق
فيلومينا