نمش أحمر: الفصل العاشر
اقترب أكثر يريد أن يبحث، لكنه رأى كل شيء مبعثراً قليلاً، فعرف أن ماڤيس سبقته وفتشت كل زاوية بدقة. انسحب بهدوء وبدأ يتراجع إلى خارج الغرفة.
وضعت ماڤيس يدها على قلبها لتهدئته، وهمست لنفسها بعد أن تأكدت من خروجه: "رائحته من النوع الذي أحبه... هذا كل ما في الأمر." تنفست الصعداء لتطرد بقية التوتر، ثم خرجت من الغرفة لتلحق بجونغكوك الذي كان يقف في غرفة المعيشة ينتظرها.
التفت جونغكوك نحوها وقال بهدوء، ورأسه يدور ببطء يبحث عن شيء في الهواء: "كأن تلك الرائحة قد اختفت؟"
كانت لهجته جادة وخالية من السخرية المعتادة، والأجواء لم تكن مناسبة لتفتح ماڤيس جدالاً ساخراً، فاكتفت بقولها ببساطة: "بالتأكيد ستختفي. كانت خفيفة في الأصل، ومضى عليها أكثر من يومين."
همهم جونغكوك دون أن يرد، ثم بدأ يتنقل في غرفة المعيشة يقلب النظر في كل زاوية، يبحث عن أي شيء قد يكون مفيداً وفاتهم.
بقيت ماڤيس مكانها، لم تتحرك، لأنها كانت قد أنهت البحث في هذه الغرفة قبل انتقالها إلى غرفة النوم. رفعت رأسها إلى المصباح الذي كان جونغكوك قد أضاءه عند دخوله.
كان نوره ساطعاً بشكل مزعج، فأغمضت عينيها للحظة حتى تأقلمت مع الضوء، ثم عادت تنظر إلى جونغكوك الذي كان منحنياً على الطاولة الصغيرة، يتفحصها عن قرب.
رفع جونغكوك رأسه من على الطاولة ونهض، نظر إليها مباشرة ثم سأل: "هل قرأتِ التقرير النهائي للشرطة؟" أومأت ماڤيس برأسها إيجاباً، فتابع: "ماذا كانت رائحة الشموع المعطرة التي لم يتم إشعالها؟"
عقدت ماڤيس حاجبيها للحظة وهي تسترجع ما قرأته، ثم قالت: "الليمون والأعشاب."
وضع جونغكوك إحدى يديه على صدره وأسند ذراعه الأخرى عليها ثم وضع كفه تحت ذقنه، وقف متأملاً يحاول تذكر تلك الرائحة الخفيفة التي استنشقها عند دخوله المنزل قبل يومين. كان واثقاً أنها لم تكن عشبية ولا تشبه الليمون، بل شيء آخر مختلف تماماً.
تركته ماڤيس غارقاً في أفكاره ومضت إلى المطبخ، فتحت الأدراج واحداً تلو الآخر وفتشت فيها بدقة، لكنها لم تعثر على شيء يذكر بعد دقائق. دخل جونغكوك خلفها وسألها: "وجدتِ شيئاً؟"
اكتفت ماڤيس بالنفي برأسها، ثم مشت إلى الثلاجة وانحنت لتنظر تحتها، ظناً منها أن الجاني ربما أسقط شيئاً مهماً دون أن ينتبه.
وفجأة، أحست بيد تمسك ذراعها بقوة، فنظرت إلى الأعلى فرأت جونغكوك يمسكها ويجبرها على النهوض. عقدت حاجبيها باستنكار وفتحت فمها لتقول شيئاً.
لكن جونغكوك انحنى هو الآخر لينظر تحت الثلاجة نيابة عنها، وقال بهدوء: "لا تنحني هكذا عندما يكون هناك رجال حولكِ."
لم تقل ماڤيس شيئاً، لأن عقلها لم يستوعب بعد ما قاله بالضبط. وقفت تراقبه وهو يبحث تحت الثلاجة ثم ينهض بعد لحظات وينفض الغبار عن يديه.
قال وهو يمسح أصابعه: "ليس الجميع يملك نية حسنة." ارتبكت ماڤيس من كلامه، لكنها لم ترد لأنها كانت تعرف في قرارة نفسها إنه محق.
هناك بعض الرجال الذين لا يملكون ذرة أخلاق، وعليها أن تكون حذرة. التزمت الصمت ونظرت إلى الأرض لوهلة قبل أن ترفع رأسها وكأن شيئاً لم يحدث.
كانت ماڤيس تعرف أن الجدال في هذا الموضوع لن يظهرها إلا كامرأة سيئة الأخلاق، أو متصنعة البراءة، أو الأسوأ… لاهثة وراء الاهتمام الذكوري.
وإلا كيف سيفكر جونغكوك إذا قالت إنها لا تهتم بنظرة الآخرين لها؟ ألن يظن أنها تفعل ذلك عمداً، وأنها تستفز الرجال من حولها؟
وقفت صامتة، ترمش ببطء، وتنظر إليه وهو يفتح الأدراج العلوية التي لم تستطع الوصول إليها لأنها كانت عالية جداً. شعرت بالامتنان نحوه رغماً عنها، لأنه اكتفى بتقديم النصيحة بهدوء، ثم عاد إلى عمله دون أن يضيف كلمة أخرى.
بينما لو كان رجلاً آخر لاستغل الموقف بلا شك للتقليل منها أو لاتهامها بأنها فعلت ذلك عمداً لإغوائه أو جذب انتباهه.
من جانبه، كان جونغكوك يعرف أنها ما تزال تفكر في كلماته، فقرر تغيير الموضوع قبل أن يتحول الصمت إلى إحراج. سأل بهدوء، وعيناه لا تزالان مثبتتين على الأدراج: "ما هي آخر التطورات في القضية؟"
همهمت ماڤيس للحظة وجيزة، ثم قالت بصوت خافت: "لم يحدث شيء جديد في الواقع." عقدت حاجبيها وهي تنظر إلى إحدى زوايا الرف العلوي الذي فتحه جونغكوك، حيث كان الضوء لا يصل إليها جيداً، أو ربما عينيها لم تكن متأكدة مما ترى.
وأكملت بشرود خفيف: "التقرير الشرعي لم ينته بعد، وزوج الضحية ليس في حالة ذهنية تسمح لنا باستجوابه." وقفت بالقرب من جونغكوك وهي تنظر إلى الأعلى، فارتفع عطرها الخفيف في الهواء بينهما.
تراجع جونغكوك على الفور خطوة ليعطيها مساحة، لكنها أمسكت بذراعه فجأة، وشعر بقبضتها الخفيفة على كم قميصه، وقالت بلهجة عملية: "أعطني ذلك المرطبان."
نظر جونغكوك إلى الأعلى فرأى مرطبان مربى موضوعاً في الزاوية البعيدة على الرف، رفع يده ونزل المرطبان وأعطاه لها، ولم يعلق على لمسة يدها التي اختفت بسرعة.
تراجع جونغكوك خطوات أخرى إلى أن أصبح ظهره ملتصقاً بحوض السيراميك البارد، وشعر بالبرودة تخترق قميصه.
أنهما بمفردهما هنا في المطبخ الضيق، وأية نظرة أو لمسة قد تُفهم بشكل خاطئ. لم يكن خائفاً من أفكار ماڤيس، فرغم جدالاتهما المستمرة، كانت ماڤيس عادلة ولا تتهم الآخرين جزافاً، وكان واثقاً من أنها تعرف أخلاقه وتعرف أنه يستحيل أن يحاول إيذاءها.
لكن مع ذلك، فضل الابتعاد عنها بضع خطوات، احتراماً لها. فهي امرأة شابة غير متزوجة، والبقاء قريباً منها هكذا في مكان مغلق قد يُسيء إليها، مهما كانت نواياه صالحة.
همست ماڤيس فجأة: "هذا غريب." سمعها جونغكوك بوضوح، فالمطبخ كان صامتاً تماماً، لا يقطعه إلا صوت تنفسهما. استدارت إليه ماڤيس ورفعت المرطبان أمام عينيها وقالت بصوت فيه دهشة خفيفة: "هذه مربى خوخ!"
جعد جونغكوك حاجبيه في حيرة واضحة، فلم يفهم ما المشكلة في وجود مربى الخوخ هنا. أغلب البيوت تمتلك مرطباناً أو اثنين من المربى، مهما كان نوعه أو نكهته.
ألقت ماڤيس نظرة سريعة على المرطبان الصغير الذي كان لا يزال في يدها، ثم رفعته قليلاً أمام بصر جونغكوك وأكملت: "ذُكر في السجل الطبي الخاص بالضحية أنها كانت تعاني حساسية شديدة من الخوخ، لدرجة أن تناول كمية صغيرة قد يهدد حياتها."
بقي جونغكوك صامتاً للحظات، عيناه تنتقلان من المرطبان إلى وجه ماڤيس، ثم قال باستغراب: "ربما كان زوجها هو من يأكله."
نفت ماڤيس على الفور، وهزت رأسها: "اطلعت على سجله الطبي أيضاً. إنه يعاني من نقص إنزيم سكراز." لم يفهم جونغكوك الكلمة الأخيرة، فازدادت تعابيره تجعداً، وأحس للحظة أنه أحمق في وضعه الحالي.
أوضحت ماڤيس بسرعة: "يعني ببساطة إنه ممنوع من السكريات المصنعة، والمربى ضمنها، لأن جهازه الهضمي لا يملك الإنزيم المسؤول عن تفكيك السكر المركب."
تبادل الاثنان نظرة طويلة، ثم نظر جونغكوك إلى المرطبان مجدداً بدهشة خفيفة، وفكر في نفسه: " ما الذي يفعله مرطبان مربى في بيت أناس لا يستطيعون تناوله؟"
كان واضحاً أيضاً أن أحداً قد تناول جزءاً منه، وهو ما أكد لكليهما وجود شخص آخر يدخل إلى هذا المنزل بانتظام، ربما شخص قريب منهم، أو ربما... شخص آخر تماماً.
خرج الاثنان من الشقة، فلفحهما هواء الليل البارد الذي كان يحمل رطوبة خفيفة تنبئ بقرب سقوط المطر. وقعت عينا جونغكوك على ماڤيس، فرآها تشبك ذراعيها على صدرها وترتجف قليلاً، وهي لا ترتدي سوى قميصها الأسود الرقيق الذي لا يحمي من برد الليل.
دون أن ينطق بكلمة، نزع سترته وأمسكها من كتفيها وأعطاها لها. حدقت ماڤيس فيه للحظة طويلة، ثم رفضت الأمر بأدب، فصرّ جونغكوك: "ستمرضين."
نفت ماڤيس وهي تتراجع خطوة: "سأدخل السيارة بعد قليل." أومأ جونغكوك بفهم، وارتدى سترته مجدداً وهو يشعر ببرودة تخترق قميصه، ثم بدأ ينظر حوله، يبحث عن كاميرات مراقبة قد تكون مثبتة على واجهات المنازل المجاورة أو أعمدة الإنارة. إن وُجدت، فستكون مفيدة جداً لهم.
وقعت عينا جونغكوك على المبنى المقابل، فلمح لوهلة شخصاً واقفاً خلف الستائر الرمادية، ظل خافت لشخص يتحرك ثم اختفى فجأة.
انسدلت الستائر بسرعة، تاركة النافذة عارية وموحشة. عقد حاجبيه باستغراب، وحاول تمعن النظر في تلك النافذة، لكنه لم يلحظ أي حركة بعد ذلك، فقط ظلام وصمت.
كانت ماڤيس على وشك إخباره أنها سترحل، لكن نظراته المتفحصة جعلتها تتراجع وتسأل بنبرة فضول: "ماذا هناك؟"
تنهد جونغكوك دون أن يشيح بنظره عن النافذة: "أظن أن سكان المنزل المقابل يراقبوننا."
عقدت ماڤيس حاجبيها، حدقت فيه لوهلة وجيزة، ثم نظرت إلى المنزل المقابل الذي بدا مظلماً بالكامل، وقالت بثقة: "هذا غير ممكن، ذلك المنزل مهجور منذ خمس سنوات. لا أحد يسكن فيه، البلدية قطعت عنه الكهرباء والمياه."
اتسعت عينا جونغكوك بدهشة حقيقية، ونظر إليها سريعاً، ثم عادت عيناه إلى النافذة: "هذا مستحيل... رأيته بنفسي! كان هناك شخص، رأيت ظله بوضوح قبل أن يسدل الستارة."
لم تقل ماڤيس شيئاً، وقف كلاهما ينظران إلى نهاية الشارع المظلم، حيث كان ضوءان أبيضان يتقدمان نحوهما ببطء. كانت سيارة سوداء تتجه إليهما، توقفت بالقرب منهما، فترجل منها الضابط باڤيل، وأغلق الباب خلفه.
عقد جونغكوك حاجبيه باستغراب، ومشى إلى الضابط وسأله: "ما الذي أحضرك إلى هنا في هذه الساعة يا سيد باڤيل؟"
نظر باڤيل إلى المنزل ثم إلى جونغكوك، وأجاب بصوته العميق: "أخبرتني ماڤيس في وقت سابق أنها ستأتي إلى هنا، فأتيت لعله يكون في استطاعتي تقديم أي مساعدة."
مشت ماڤيس إليهما، وقالت بلهجة معترضة قليلاً: "لم يكن هناك داعٍ لحضورك يا سيدي، كنت على وشك المغادرة على أي حال."
نفى الضابط برأسه، ونظر إليها بجدية: "لو كان غيركِ لما حضرت. لكن يا آنسة ماڤيس، لا يجب عليكِ الحضور بمفردكِ إلى مكان كهذا في هذا الوقت المتأخر."
تنهدت ماڤيس بضيق خفيف بالكاد ظهر على وجهها، لم تكن تتخيل أن الضابط باڤيل يعتقد أنها ضعيفة أو بحاجة إلى حراسة.
نظر باڤيل إلى جونغكوك وأضاف: "من الجيد أن جونغكوك هنا." لم تجادل ماڤيس، وحافظت على صمتها، واكتفت بإلقاء نظرة سريعة على جونغكوك.
وجد جونغكوك وجود الضابط باڤيل مريحاً، فسأله دون مقدمات: "سيد باڤيل، هل صحيح أن المنزل المقابل لبيت الضحية مهجور منذ سنوات؟"
نظر باڤيل إلى البيت المقابل للحظة، إلى ستائره المغلقة ونوافذه المظلمة، ثم أدار رأسه إلى جونغكوك وأومأ بهدوء: "صحيح."
صمت جونغكوك لوهلة، وعيناه مثبتتان على الأرض ليجمع أفكاره، ثم رفع رأسه وقال بثقة: "سيدي، أنا متأكد أنني رأيت شخصاً ما داخل ذلك المنزل قبل قليل."
يُتبع...
الفصل التالي الفصل السابق الفهرس


تعليقات
إرسال تعليق
فيلومينا