زوج الأم: الفصل الثالث
لكن عندما التفت ليو ورأى جونغكوك يحمل الأكياس، تغيرت ملامحه فورًا. ركض نحوه بسرعة وهو يصرخ بفرح: «عم جونغكوك!»
عندما وصل ليو إلى جونغكوك، أمسك بساقه وعانقه بقوة، وظهرت على وجهه سعادة واضحة لرؤية عمه. ابتسم جونغكوك تلقائيًا وهو ينظر إليه، ثم جلس على السجادة في غرفة المعيشة، وأجلس ليو في حضنه وبدأ يخرج الألعاب التي اشتراها له. كان يبتسم ويتفاعل معه بينما ليو يتحرك بحماس ويضحك دون توقف.
في الجهة الأخرى، كانت آريا تراقب المشهد بصمت وابتسامة هادئة. كانت سعيدة لرؤية هذا القرب بين جونغكوك وليو، لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا، إذ وصلت رائحة طعام محترق من المطبخ. توقفت لحظة، ثم ركضت بسرعة نحو الداخل قبل أن يتفاقم الأمر.
في هذه الأثناء، كان جونغكوك مركزًا بالكامل على ليو، ولم يلتفت لآيدن أو ليام، ولم يسأل عن إصابة يد آيدن أو عن يومهما. كل اهتمامه كان موجّهًا إلى ليو فقط.
حتى وقت العشاء، جلس ليو في حضنه وأطعمه بنفسه، بينما كان يتعامل معه باهتمام واضح. وخلال ذلك، وضعت آريا الطعام على الطاولة وسألت بابتسامة: «كيف كان يومك؟»
ابتسم جونغكوك قليلًا وأجاب: «كان جيدًا إلى حد ما.»
علقت آريا بخفة: «يبدو أن الطلاب لم يكونوا مزعجين اليوم.»
هز جونغكوك رأسه وأجاب: «بالعكس، صوتهم لا يهدأ أبدًا… لكن أظن أني بدأت أعتاد عليهم.»
في الأيام التالية، استمر جونغكوك في تجاهل آيدن وليام، حتى بدأت ملامح الاستياء تظهر بوضوح على وجهيهما. لم يعد يشتري لهما ما يحبانه، ولم يعد يجلس معهما أو يحملهما كما كان يفعل سابقًا.
حتى في الليل، عندما كان يمر على غرفتهما، لم يعد يتوقف عندهما أو يتحدث إليهما كما اعتادا.
ورغم أن الاثنين كانا يظهران كرهًا واضحًا تجاهه ويرفضان التفاعل معه، إلا أن هذا التجاهل بدأ يترك فراغًا غير مريح في حياتهما، وكأن شيئًا كان موجودًا دائمًا اختفى فجأة.
في أحد الأيام، كانت آريا في غرفة المعيشة بعد أن وضعت ليو في سريره. أطفأت التلفاز، ثم جلست على الأريكة أمام الأطفال. قالت بجدية: «يجب أن نتحدث نحن الثلاثة.»
أومأ آيدن وليام بصمت، فهما رغم طباعهما الصعبة، كانا يحترمان والدتهما ويستجيبان لها. سألت آريا مباشرة: «لماذا تكرهان عمكما جونغكوك؟»
أجاب آيدن بهدوء: «هذا ما قاله أبونا رونان، وجدتي وجدي، والجميع.»
سكتت آريا للحظات، ثم سألت: «وماذا عن رأيكم أنتم؟»
رد ليام بسرعة: «بماذا؟»
أعادت السؤال بوضوح: «هل تعتقدان أن عمكما جونغكوك يستحق الكره؟»
أجاب الاثنان معًا دون تردد: «إذا قال أبونا ذلك، إذن هو كذلك.»
ساد الصمت للحظات بعد هذا الجواب. بدت آريا تفكر جيدًا في طريقة أخرى للسؤال، ثم قالت بهدوء: «حسنًا، لنغير السؤال. كيف كان عمكم جونغكوك معكما خلال الأشهر الثمانية الماضية؟»
توقف آيدن قليلًا ليفكر، ثم قال: «كان لطيفًا… وحنونًا… ويحاول مساعدتنا.»
سألت آريا مباشرة: «هل شخص بهذه الصفات يستحق الكره؟»
لم يُجيبا فورًا، فبدأت علامات الحيرة تظهر على ليام، وقال: «لكن ماما… أبي وجدتي كانوا يقولون إنه شخص سيء. والكبار لا يخطئون.»
نظرت آريا إليه بدهشة خفيفة وقالت: «ومن قال إن الكبار لا يخطئون؟ الجميع يخطئ، وهذا ما يجعلنا بشرًا.»
قال آيدن وهو يفكر: «جدتي تقول إنها لا تخطئ أبدًا.»
لكن كلام آريا جعله يتوقف قليلًا، ثم أضافت بهدوء: «هذا غير صحيح. جدتكم تخطئ أكثر من أي شخص آخر.»
جلست آريا بجانب أطفالها، ونظرت إليهم بلطف وقالت: «انسوا كلام والدكم وجدّتكم، وأخبروني… ألم يعتنِ بكم عمكم عندما مرضتم بالحمى وبقي معكم طوال الليل؟»
أومأ الأطفال بصمت. سألت مرة أخرى: «ألم يشترِ لكم كل ما تريدونه؟» فأومأوا مجددًا.
واصلت آريا بأسئلة مباشرة: «ألم يدافع عنك يا آيدن عندما ضربت زميلك في المدرسة؟ وألم يشترِ لك يا ليام دراجة فقط لأنك قلت إنك تحب ركوبها؟»
ثم توقفت قليلًا وسألت: «بعد كل ما فعله، ألا تعتقدون أنه يستحق أن تحبوه؟»
في عيادة الطبيبة النفسية، كان جونغكوك مستلقيًا على الأريكة، وملامح وجهه متجعدة وهو يتحدث بصوت منخفض.«ذات مرة، كاد أخي رونان أن يقتلني. كنا على سطح المدرسة… كان يبتسم وهو يدفعني نحو الحافة. وفي آخر لحظة، أمسك أحدهم بيدي وسحبني بعيدًا.»
بعد أن دونت الطبيبة بعض الملاحظات، سألته بهدوء: «هل أخبرت أحدًا بهذا؟»
هز جونغكوك رأسه بالنفي. كان واضحًا من صمته أنه عاش تلك الفترة وحيدًا دون أن يجد من يستمع إليه. «لم يكن هناك أحد يستمع لي.»
ساد الصمت في الغرفة لبضع لحظات، قبل أن يواصل حديثه بصوت متعب: «عندما كنت في الجامعة، أعجبت بفتاة اسمها آريا. لكن عندما علم رونان بذلك، ذهب وتقدم لها. والأغرب… أنها وافقت عليه.»
توقف قليلًا، فذكرى تلك الأيام ما زالت ثقيلة عليه.
عاد جونغكوك إلى المنزل، وما إن دخل حتى تفاجأ بالأطفال الثلاثة يركضون نحوه. كانوا يصرخون بحماس، ثم أحاطوا به وعانقوه. تجمد للحظة من الصدمة، غير معتاد على هذا التصرف من آيدن وليام.
ثم قالوا معًا بابتسامة: «أهلًا بعودتك، عم جونغكوك.»
تغيرت ملامح جونغكوك تمامًا. امتلأت عيناه بالدموع، ولم يستطع منع نفسه من احتضانهم بقوة، وهو يبكي بصمت وسط شعور مفاجئ بالدفء الذي افتقده طويلًا.
لكن بينما كانت دموعه تنهمر، اقترب منه آيدن وسأله بقلق: «لماذا تبكي يا عم جونغكوك؟ هل أزعجناك؟»
هز جونغكوك رأسه بسرعة، لكنه لم يستطع التحدث بسهولة، وقال بصوت متقطع: «لا… أنا فقط سعيد.»
لم تبدُ الإجابة كافية بالنسبة لليام، فسأله باستغراب: «هل يمكن أن تبكي لأنك سعيد؟»
أومأ جونغكوك برأسه بهدوء، دون أن يجد ما يقوله أكثر، ثم بدأ يحتضن الأطفال واحدًا تلو الآخر. تأثر ليو بمشهد بكائه، فبدأ يبكي هو الآخر، ثم تبعه ليام وآيدن، حتى امتلأت الغرفة بالبكاء من الجميع، بين فرح وحزن مختلط.
من خلف الجدار، كانت آريا تراقب المشهد بصمت، ودموعها تنهمر دون أن تشعر. بعد لحظات، مسحت دموعها ودخلت قائلة بلهجة فيها عتاب: «هل يمكنكم التوقف عن البكاء؟»
أخذ جونغكوك يهدئ نفسه، ثم بدأ يمسح دموع الأطفال برفق. جلسوا جميعًا في غرفة المعيشة، ومعهم آريا واقفة بالقرب منهم. قالت وهي تمسح دموعها: «أنتم حمقى… جعلتموني أبكي أيضًا.»
رد الأطفال وجونغكوك معًا بصوت واحد: «نحن آسفون.»
ابتسمت آريا وقالت بتنهيدة خفيفة: «لا بأس، سأسامحكم لأنكم رجال وسيمون.»
بعد أن عادت إلى المطبخ لإكمال العشاء، استأذن جونغكوك وذهب إلى غرفته لتبديل ملابسه. ما إن أغلق الباب حتى اتجه إلى المكتب في زاوية الغرفة، وأخرج حاسوبه المحمول.
جلس وفتح الجهاز، ثم شغّل مقطع فيديو على الشاشة. كان المقطع غير مريح ومزعجًا بالنسبة له، ما جعله يتجهم فورًا. شدّ على أسنانه وقبض يديه بقوة، حتى ظهرت علامات الضغط على راحته.
بعد انتهاء المقطع، أغلق الحاسوب بعنف، ثم وقف واتجه إلى خزانة الملابس وأخرج ملابس مريحة. دخل إلى الحمام، وحاول تهدئة نفسه بالماء البارد بينما كان الغضب ما زال واضحًا عليه.
بعد أن انتهى وارتدى ملابسه، سمع طرقًا على الباب. فتح الباب ليجد آيدن أمامه مبتسمًا ببراءة. «عم جونغكوك، ماما تقول إن العشاء جاهز.»
ابتسم جونغكوك بلطف، ثم حمله بحذر مع الانتباه لذراعه المصابة وقال: «حسنًا، لنذهب لتناول العشاء يا صغيري.» احمرّت وجنتا آيدن، وأخفى وجهه في كتف عمه.
كان كثيرون قد أخبروا آيدن من قبل أن جونغكوك شخص سيئ ولا يستحق إلا الكراهية، لكن بعد حديثه مع والدته بدأ يرى الأمر بشكل مختلف.
لم يعد مقتنعًا بتلك الصورة التي رُسمت له، وبدأ يشعر أن جونغكوك شخص طيب ويستحق المعاملة الجيدة والحب بدلًا من النفور.
عندما جلس جونغكوك على مائدة الطعام، شعر بشيء لم يعتده من قبل، بدا أنه يجلس وسط عائلة حقيقية. كان إحساسًا غريبًا عليه لكنه مريح، وكأنه لأول مرة يجد مكانًا ينتمي إليه.
وخلال العشاء، كان الجو هادئًا ومليئًا بالارتياح. تبادلوا الحديث والضحك بين الحين والآخر، ولم يخلو من سؤال آريا المعتاد: «كيف كان يومك؟»
ابتسم جونغكوك وهو ينظر إلى الأطفال الذين كانوا منشغلين بالحديث: «لست متأكدًا من بداية اليوم، لكن المساء… كان الأفضل.»
بعد العشاء، ذهبت آريا إلى غرفة الأطفال لتقرأ لهم قصة قبل النوم، بينما بقي جونغكوك في غرفة المعيشة مستلقيًا على الأريكة، يحدق في السقف بصمت.
كان ذهنه مزدحمًا بالأفكار، وأبرز ما يشغل تفكيره هو زواج آريا من رونان وما يرتبط به من ماضي لم يُغلق بعد.
كان جونغكوك يتساءل كثيرًا عن سبب قبول آريا الزواج من رونان رغم أنها لم تكن تعرفه جيدًا في البداية. وبينما كان يعود بذاكرته إلى الماضي، تذكر كيف أصبح هذا الزواج بالنسبة له جحيمًا، خصوصًا عندما كان يرى رونان يتعامل مع آريا بطريقة حميمية ومزعجة أمامه، ما كان يثير داخله الغضب والشعور بالعجز في الوقت نفسه.
ومع مرور الوقت، كان كل تفصيل في تلك الذكريات يعيده إلى نفس الشعور، وكأنه عالق في دائرة من ألم لا ينتهي.
في إحدى الليالي، عندما كان رونان خارج المنزل، دخل جونغكوك إلى غرفته. كانت غرفة ممنوعة على الجميع، حتى آريا نفسها. كانت مظلمة وهادئة بشكل غير مريح. بدأ يبحث في المكان بدافع الفضول والشك، حتى وجد صندوقًا صغيرًا مغلقًا. بعد لحظات من التردد، فتحه.
داخل الصندوق كانت هناك بطاقة وأوراق متعددة. في تلك البطاقة، تم حفظ فيديو لآريا وهي عارية في إحدى الفنادق الرخيصة! ذاك الفيديو الذي صوره رونان بعد تخدير آريا عنوةً، وبدأ بتهديدها بنشره على مواقع التواصل الاجتماعي.
كان هذا الفيديو هو السبب الذي جعل آريا توافق على الزواج، وتتحمل بعده كل الإهانات والمعاملة القاسية التي تعرضت لها داخل ذلك البيت.
في تلك الفترة، قرر جونغكوك أن ينقذها، وفي الوقت نفسه ينتقم لما حدث. كان يرى أن أفضل حل هو التخلص من رونان، حتى ينتهي تأثيره بالكامل.
في البداية تردد بسبب الأطفال، لكنه وصل إلى قناعة أن حياتهم مع رجل مثل رونان ستكون أسوأ بكثير من فقدانه.
بدأ يخطط بهدوء، محاولًا أن يجعل الأمر يبدو وكأنه حادث أو انتحار. لكن أثناء التخطيط، خطرت له فكرة أخرى جعلته يتوقف قليلًا، فكرة تتعلق بمصير الأطفال بعد موت رونان.
فلو مات رونان، سيبقى الأطفال بلا أب، وقد تأخذهم آريا وتغادر، وهذا ما لن تقبله عائلة رونان بسهولة. لذلك كان الحل من وجهة نظره أن يبقى الأطفال داخل العائلة، وأن يتزوج أحد أفرادها من آريا لضمان ذلك.
كان هناك أكثر من خيار، لكن معظمهم غير مناسبين؛ يستحيل لـ ريكي أن يتزوجها، فإلى جانب كرهه الشديد لآريا، فهو يمتلك حبيبة بالفعل! إذن، لم يتبقى سوى جونغكوك! ومهما كانت العائلة تكرهه، فإن بقاء الأطفال سيكون له الأولوية! وهكذا، انتهى الأمر بزواج جونغكوك من أرملة أخيه، آريا!
بمجرد أن وصل صوت آريا إلى أذنيه، تحرك جونغكوك وعدّل من جلسته. «هل ترغب بشرب شيء ما؟!» سألت آريا بصوتها الدافئ الذي يبعث على الراحة. وضع جونغكوك مخدة صغيرة في حضنه، قبل أن يردف. «كوب من القهوة، لو سمحتِ!»
تنهدت آريا بخفة وقالت بابتسامة صغيرة: «إنه المساء يا جونغكوك، والقهوة…»
لكن جونغكوك قاطعها مباشرة: «مضرة بالصحة، أنتِ تقولين هذا كل يوم.»
ردت عليه بهدوء: «ومع ذلك أنت لا تستمع.»
ابتسم ابتسامة خفيفة دون تعليق، بينما توجهت آريا نحو المطبخ. ظل ينظر إلى ظهرها حتى اختفت من أمامه. في تلك اللحظة، عاد ذهنه إلى الماضي. تذكر كيف كانت آريا دائمًا تقول إنها بخير عندما يسألها، ثم تطلب منه ألا يتدخل في شؤونها.
عاد السؤال نفسه يفرض نفسه عليه: لماذا لم تطلب منه المساعدة؟ هل كانت تظن أنه سيقف مع أخيه؟ أم أنها رأت أنه لا يستطيع فعل شيء بسبب وضعه داخل العائلة؟
لكن ما لم يكن يعرفه جونغكوك هو أن آريا لم تطلب المساعدة منه لأنها كانت تخشى أن يتعرض للأذى من عائلة رونان، خصوصًا من جوديث، لذلك فضلت أن تتحمل وحدها بدل أن تضعه في مواجهة معهم.
بينما كانت آريا تحضر القهوة والحليب في المطبخ، عادت بذاكرتها إلى الأيام الصعبة مع رونان. تذكرت كيف كان يقلل من شأن جونغكوك باستمرار، ويصفه بالفشل، ويحاول كسر ثقته بنفسه بكلام قاسٍ، وكيف كان يضغط عليها لتقبل تصرفاته دون اعتراض.
كانت تتمنى في تلك الفترة لو أنها استطاعت حماية جونغكوك من كل ذلك، لكنها كانت عالقة داخل علاقة لا تسمح لها بالتحرك بحرية.
وفي داخلها، كانت تود لو أنها واجهت رونان وقالت له إن جونغكوك ليس كما يصفه، وإنه على الأقل أفضل منه في الأخلاق والتعامل.
«قَهوتك.» قالت آريا وهي تعود إلى الغرفة وتضع الكوب أمامه بلطف. أخذ جونغكوك الكوب وبدأ يشرب بهدوء، بينما جلست آريا وفتحت التلفاز لمتابعة مسلسلها المعتاد.
يُتبع...



تعليقات
إرسال تعليق
فيلومينا