نمش أحمر: الفصل السابع
ترددت، هل ترد عليه؟ ماذا ستقول؟ هل هي فكرة جيدة أن تستمر في هذه المحادثة مع شخص لا تعرف عنه شيئاً؟ شخص قد يكون مزعجاً أو غريباً أو حتى خطيراً؟
لكن عيناها وقعتا على صورته الشخصية. نقرت عليه بدافع فضولي، فامتلأت الشاشة بالصورة، كانت لكتف رجل، عضلي لكن ليس بشكل مبالغ فيه، وفوق الجلد كان يرقد وشم أسود أنيق. لم يكن كبيراً أو صاخباً.
عضت شفتها السفلية دون أن تشعر.
كانت تحب الوشوم على الرجال. لم تعترف بذلك لأحد قط، لأنه كان شيئاً شخصياً جداً، وشيئاً قد يبدو غريباً لابنة عميد متحفظة مثل أبيها.
لكن في نظرها، الوشم كان يجعل الرجال أكثر هيبة، أكثر جاذبية، أكثر... رجولة. بشرط ألا يكون كثيراً، بشرط أن يكون في مكان مناسب، وبتصميم راقٍ.
وهذا الوشم كان مثالياً. تأملته للحظات، عيناها تنتقلان على خطوطه، تتخيل كيف يكون شكل الكتف كله، كيف يكون الرجل الذي يحمله. ثم تنهدت، وعادت إلى الدردشة.
بدأت تكتب ردها:
"الهدوء شيء جميل. وأنا أيضاً أفضل البقاء في المنزل على الخروج، رغم أن الكثيرين لا يصدقون ذلك عندما أقول لهم.
أما الزهور، فأنا أعنيها حقاً. أقضي ساعات في حديقتي، لا أفعل شيئاً، فقط أجلس بين زهور التوليب وأشعر بالسلام. إنها الزهرة الوحيدة التي لا تُشعرني بجمال الحياة التي أعيشها.
بالمناسبة، ما هي وظيفتك؟ لا أقصد التدخل في حياتك، إن لم ترغب في الإجابة فلا بأس.
لا أعرف إن كنا سنتحدث مرة أخرى، لكني سعيدة لأني كتبت إليك، أتمنى لك ليلة هادئة."
أرسلت الرسالة. بقيت محدقة فيها للحظات، تتساءل إن كانت قد فضحت نفسها أكثر مما ينبغي. ثم أغلقت الحاسوب بسرعة، خشية أن تعود لترسل شيئاً آخر.
نهضت من الكرسي، وتوجهت إلى سريرها. ارتمت عليه بوجهها، وشعرها المبلل انتشر على الوسادة كالماء. أغمضت عينيها، وشعرت بالنعاس يثقل جفونها… ثم نامت.
في اليوم التالي، استيقظ جونغكوك على صوت الجرس المتواصل. حاول فتح عينيه، لكن جفنيه كانا ثقيلين وكأنهما ملتصقان ببعضهما. تنفس بصعوبة، وشعر وكأن صدره يحترق من الداخل، وكل شهيق يأتي بألم يخترق رئتيه.
الجرس استمر، لم يتوقف. ثلاث نقرات متتالية، ثم توقف للحظة، ثم ثلاث نقرات أخرى.
تذمر من مكانه، لكنه نهض من السرير بصعوبة شديدة. جسده كان يرج كالورقة في عاصفة، وعضلاته ترتجف دون سبب.
خطى خطوة واحدة، فترنح جسده على الفور، وكاد يسقط على وجهه لولا أن تمسك بالجدار في اللحظة الأخيرة. ظل يتكئ على الحائط البارد، يزحف ببطء شديد نحو الباب.
وصل إلى الباب بعد جهد شاق، تنفس بصعوبة، ثم فتحه.
رفع رأسه بصعوبة شديدة، فرأى كايو واقفاً أمامه. ابتسامة كايو المعتادة تلاشت فور أن وقعت عيناه على وجه صديقه الشاحب.
اندهش كايو من وجه صديقه الذي كان شاحباً، وعيناه غائرتان ومحمرتان، وجبهته تتلألأ بالعرق البارد رغم أن الجو كان بارداً.
اقترب كايو بسرعة، ووضع يده على كتف جونغكوك ليدعمه، وساعده على الوقوف. لمس جبهته بأصابعه، فشعر بحرارة غير طبيعية تكاد تحرق جلده. قال بقلق واضح في صوته: "يبدو أن حرارتك مرتفعة جداً، هل أصبت بالحمى؟"
لم يجب جونغكوك… لم يستطع.
شعر بدوار مفاجئ يدور به، وكأن الأرض تدور تحت قدميه. رأى وجه كايو يبتعد، وسمع صوته يتلاشى كصدى في نفق بعيد، ثم سقط فجأة مغمى عليه، جسده المتعب استسلم أخيراً، وركبتاه انهارت على الأرض.
حمله كايو على الفور دون تردد. التف ذراعيه حول جسد جونغكوك الساخن، وسنده إلى صدره، ثم حمله بسرعة باتجاه المصعد. كان قلب كايو يخفق بسرعة وهو يشعر بحرارة جسد جونغكوك.
أخرجه من المبنى، وفرد جسده في المقعد الخلفي لسيارته، وأغلق الباب بحذر. اندفع إلى مقعد السائق، وأدار المحرك بسرعة، وانطلق إلى المستشفى، متجاوزاً بعض الإشارات الحمراء.
بعد أن أعطى الطاقم الطبي جونغكوك الدواء اللازم، تم نقله على نقالة بيضاء إلى غرفة خاصة في قسم الطوارئ. كان جسده مغطى ببطانية بيضاء رفيعة، ووجهه لا يزال شاحباً، وشفتاه جافتان ومتشققتان قليلاً. الوريد كان متصلاً بذراعه اليسرى، والمحلول يتسرب ببطء إلى عروقه الجافة.
كان جونغكوك نائماً بعمق، لكن نومه لم يكن هادئاً. كان يتقلب قليلاً بين الحين والآخر، يتنفس بصعوبة، وفمه يهمس بكلمات غير مفهومة من حين لآخر.
كانت جبهته لا تزال ملتهبة، والطبيب قال إن حرارته وصلت إلى أربعين درجة، وهي حرارة مرتفعة جداً، قادرة على إتلاف خلايا الدماغ إذا استمرت طويلاً، وقادرة على قتله في أسوأ السيناريوهات.
جلس كايو على المقعد البلاستيكي الصلب بجوار السرير، ويداه متشابكتان أمامه، وركبتاه ترتجفان قليلاً من القلق. كان ينظر إلى جونغكوك النائم بعينين مثقلتين بالخوف، يتأمل وجه صديقه المرهق.
تنهد كايو بارتياح عميق لأنه قرر الذهاب لتفقد جونغكوك. الساعة كانت العاشرة صباحاً، وجونغكوك لم يكن قد أتى إلى القسم بعد.
هذا لم يحدث أبداً، جونغكوك كان دائم الالتزام، لا يتأخر دقيقة واحدة عن العمل، مهما كان مرهقاً أو متعباً. حتى في أسوأ أيامه، كان يصل قبل الجميع.
عندما لم يره كايو في مكتبه، شعر بقلق غامض تسلل إلى صدره. حاول الاتصال به، لكن هاتف جونغكوك كان مغلقاً. عندها، قرر الذهاب إلى منزله بنفسه.
لو لم يفعل، لو أنه تجاهل ذلك القلق الصغير، من يدري كم كان سيبقى جونغكوك وحيداً في شقته، محترقاً بالحمى، ربما يفقد وعيه تماماً دون أن يجد من يساعده.
أخرج كايو هاتفه من جيبه، وفتح تطبيق الرسائل. وجد اسم ماڤيس، وبدأ يكتب: "لن يأتي جونغكوك إلى العمل اليوم، حرارته مرتفعة جداً، وصلت إلى الأربعين فأخذته إلى المستشفى."
ردت ماڤيس بعد دقائق قليلة: أعطني عنوان المستشفى.
أرسل كايو لها العنوان، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه. استند بظهره على المقعد الصلب، وأرخى كتفيه المتعبتين. نظر إلى جونغكوك مرة أخرى، ورأى صدره يرتفع وينخفض ببطء تحت البطانية البيضاء. كان لا يزال حياً، كان لا يزال يتنفس، وهذا كان يكفيه الآن.
جلس كايو في صمت الغرفة، يستمع إلى صوت جهاز المراقبة وهو يصدر نقرة منتظمة كل ثانية. أغمض عينيه للحظة، ودعا في قلبه ألا يحدث شيء سيء لصديقه، لأنه ببساطة لم يكن ليتحمل خسارته.
دفعت ماڤيس باب الغرفة برفق ودخلت، كان جونغكوك نائماً بعمق. وقفت للحظة عند المدخل، تنظر إليه بعينين مليئتين بالقلق.
كان كايو واقفاً بجانب السرير، ذراعاه متقاطعتان على صدره. عندما دخلت ماڤيس، تقدم نحوها خطوة، ورحب بها بإيماءة خفيفة برأسه.
مشت ماڤيس نحو السرير، وعيناها لا تفارقان وجه جونغكوك الشاحب. وقفت بجانب كايو، ثم سألت بصوت منخفض، خشية إزعاج المريض: "كيف حاله؟"
نظر كايو إلى جونغكوك للحظة ثم أجاب بهدوء، محاولاً أن يبدو مطمئناً: "بخير. لقد تدخل الطبيب وأعطاه الدواء، حرارته ستنخفض خلال ساعات."
تنهدت ماڤيس بارتياح واضح، وشعرت بشيء ثقيل يرتفع عن صدرها دون أن تدري. وضعت سلة الفواكه التي كانت تحملها على الطاولة الصغيرة بجانب السرير، بجانب إبريق الماء وكأس من البلاستيك.
كانت السلة مليئة بالفواكه الملونة، تفاح أحمر، يوسفي، وعنب أرجواني. ثم نظرت إلى كايو بحيرة، وقالت: "كيف حدث هذا؟ كان بخير بالأمس، كيف انهار هكذا فجأة؟"
ابتعد كايو قليلاً عن السرير، وأشار بيده للمقعد البلاستيكي الذي كان يجلس عليه، يدعوها للجلوس. "يبدو أنه أرهق نفسه مؤخراً. جهازه المناعي ضعف من قلة النوم وسوء التغذية، مجرد عدوى صغيرة تسببت في ارتفاع حرارته بهذا الشكل."
جلست ماڤيس على المقعد للحظة، وعيناها لا تزالان مثبتتين على جونغكوك. تنقلت بنظرها من الوريد المتصل بذراعه، إلى وجهه الشاحب، إلى جفنيه المرتعشتين قليلاً أثناء النوم.
بقت صامتة لبعض الوقت، لا تعرف ماذا تقول، ولا تعرف ماذا تفعل، غير أنها تريد التأكد أنه بخير حقاً، أنه لن يموت فجأة أمامها.
بعد دقائق، نهضت من المقعد، ونظرت إلى كايو وسألته: "هل ستبقى معه؟"
أجاب كايو وهو يشبك يديه أمامه: "نعم. تواصلت مع العميد وأخبرته بالوضع، وأخذت إذناً ليومين للبقاء رفقة جونغكوك." ثم أضاف مبتسماً ابتسامة صغيرة: "لن أتركه وحيداً في حالة كهذه."
أومأت ماڤيس برأسها موافقة، وشعرت بالارتياح لأن كايو سيبقى. قالت وهي تتجه نحو الباب: "سأعود في وقت لاحق. ربما بعد الظهر. أريد أن أتأكد من تحسن حالته."
بعد أن أغلقت ماڤيس الباب خلفها واختفى صوت خطواتها في الممر البعيد، عاد كايو إلى المقعد البلاستيكي بجوار السرير. جلس وأرخى كتفيه المتعبتين، وأخرج هاتفه من جيبه. فتح تطبيق المراسلة، وبدأ يكتب إلى شقيقه باڤيل أولاً ما حدث.
ثم فتح محادثته مع ماريسا، حبيبته، وكتب لها رسالة مختصرة، يخبرها فيها إنه لن يتمكن من القدوم إليها اليوم.
أرسل الرسالتين، ثم وضع الهاتف على فخذه، واستند بظهره على المقعد. نظر إلى جونغكوك النائم ثم تنهد تنهيدة طويلة، وأغمض عينيه.
مضت الساعات… الشمس تحركت في السماء، وبدأت أشعتها تتسلل من نافذة الغرفة الصغيرة، مرسومة خطوطاً ذهبية على الأرضية البيضاء.
ثم اختفت تدريجياً، وحل مكانها ضوء المساء الخافت. جونغكوك بقي نائماً طوال الوقت، فقط صدره كان يرتفع وينخفض بإيقاع هادئ، ويده اليسرى مثبتة في مكانها بفعل الوريد.
في حدود الساعة السادسة مساءً، سمع كايو طرقات خفيفة على الباب. رفع رأسه المتعب، وقال: "ادخل."
فُتح الباب، ودخل باڤيل بهدوء، إلى جانبه، كانت زوجته ذات الابتسامة العذبة والعيون العسلية المستديرة. كانت تحمل سلة كعك كبيرة، مغلفة بقطعة قماش مطرزة يدوياً.
وضعت السيدة أرابيلا، وهي سيدة ثلاثينية بشعر بُني مائل للشقار، السلة على الطاولة بجانب سرير جونغكوك، بجوار سلة الفواكه التي أحضرتها ماڤيس صباحاً. كانت السلة تمتلئ بأنواع مختلفة من الكعك، كعك التمر، كعك الزبدة، كعك القرفة، كلها تبدو منزلية الصنع.
وقف باڤيل بجانب السرير، وعينه تتمعن وجه جونغكوك الشاحب. أما أرابيلا، فسألت بعد أن اطمئنت على حال جونغكوك: "هل أكلت شيئاً يا كايو؟"
أجاب كايو مبتسماً ابتسامة صغيرة: "لا تقلقي، سآكل لاحقاً."
جلست الزوجة على المقعد الآخر للحظات، تنظر إلى جونغكوك بعطف، وتهمس بدعاء قصير تحت أنفاسها. أما باڤيل، فتبادل بعض الكلمات مع أخيه. ثم نهضت أرابيلا، وقالت: "دعنا نذهب يا باڤيل، علينا تركه يرتاح. سنعود غداً."
أومأ باڤيل برأسه، ونظر إلى كايو وقال: "سأعود غداً أيضاً. إذا احتجت شيئاً، اتصل بي."
"شكراً يا أخي" قال كايو بصوت خفيض.
غادر باڤيل وزوجته الغرفة بهدوء، وأغلق كايو الباب خلفهما. ثم عاد إلى مقعده، ونظر إلى سلة الكعك والفواكه المتراصة على الطاولة، وابتسم قليلاً. جونغكوك كان محاطاً بالناس رغم أنه لا يعرف ذلك.
كان محاطاً بأشخاص يهتمون لأمره حقًا…
أما ماريسا، حبيبة كايو، فلم تتمكن من القدوم إلى المستشفى. كانت في مدينة أخرى منذ أسبوع، لحضور مؤتمر عمل مهم، وعودتها لم تكن قبل يومين على الأقل. استمرت في إرسال الرسائل إلى كايو، الواحدة تلو الأخرى، مليئة بالاعتذارات والقلق.
ـ "أنا آسفة جداً يا حبيبي، لو كنت في المدينة لجئت فوراً. كيف حاله الآن؟ هل تحسنت حرارته؟"
ـ "أخبرني إذا احتجت أي شيء، يمكنني العودة باكراً إذا كان الأمر خطيراً."
ـ "أرسل لي صورته إذا استيقظ، أريد أن أطمئن عليه."
رد عليها كايو برسالة مطمئنة: "لا تقلقي يا حبيبتي. وضعه مستقر، والحرارة بدأت تنخفض. لا تعودي باكراً من أجله، فأنت تعلمين أنه سيشعر بالذنب لو فعلتِ ذلك. شقيقتك أرابيلا حضرت مع أخي باڤيل، وكان ذلك كافياً. فقط ابقي في مؤتمرك وأكملي عملك، سأبقى بجانبه ولا داعي للقلق."
أرسل كايو الرسالة، ووضع هاتفه جانباً، ونظر إلى جونغكوك النائم. كان لا يزال في غيبوبته، لكن تنفسه أصبح أهدأ، ولون وجهه بدأ يعود شيئاً فشيئاً من شحوبه المميت إلى لون طبيعي أكثر.
الطبيب الذي مر قبل ساعة قال إن الحرارة انخفضت إلى ٣٨.٥، وأن هذا مؤشر جيد، وأنه قد يستيقظ خلال الساعات القليلة القادمة.
مضت بضع ساعات أخرى. الساعة كانت تقترب من الثامنة مساءً، والظلام كان قد غطى المدينة بالكامل، عندما سمع كايو طرقات خفيفة على الباب مرة أخرى. ظن أنها ربما الممرضة التي تأتي لتفقد ضغط الدم، فقال دون أن يرفع رأسه: "ادخل."
يُتبع...
الفصل التالي الفصل السابق الفهرس


تعليقات
إرسال تعليق
فيلومينا