نمش أحمر: الفصل الرابع
همهم باڤيل قبل أن يجيب بصوته العميق: "زوجها. وهو الآن في المستشفى، كان قد تعرض لإصابات بالغة." كانت ماڤيس تفكر في كلماته، تحاول تركيب الصورة في رأسها.
أما كايو، فكان ينظر إلى وجه أخيه المحترق بانزعاج في قلبه. كان يكره رؤية وجه أخيه بهذا الشكل كل يوم. لاحظ باڤيل نظرات أخيه، فالتقت عيناهما للحظات وجيزة، لكن كايو نظر إلى الأرض مباشرة، غير قادر على تحمل المزيد.
كانت ماڤيس شاردة الذهن للحظات، ثم همست فجأة وكأنها تفكر بصوت عالٍ: "هذا غريب..." نظر الرجال الثلاثة إليها باهتمام، فأكملت: "تم قتل الضحية بوحشية شديدة، بينما الزوج تلقى فقط إصابات بالغة غير قاتلة؟ ألا يبدو ذلك غريباً؟"
همهم جونغكوك وهو يرفع الملف قليلاً أمام عينيه: "أيضاً، مذكور هنا أن الشكل الأساسي للجثة عند العثور عليها، كان هناك قطعة قماش من الشيفون، حمراء اللون، تغطي عينيها..."
توقف جونغكوك عن التحدث بينما كان يقرأ الملف بتركيز شديد، فأكمل باڤيل الجملة من جانبه: "وكان هناك شموع معطرة غير مشتعلة حول الجثة. شموع مختلفة تماماً عن تلك التي رأيتموها في وقت سابق داخل الغرفة."
تحدث الثلاثة أكثر عن القضية، وتبادلوا المعلومات والملاحظات، بينما كان كايو يقف جانبا يستمع إليهم فقط، لم تكن لديه النية للتدخل.
لم يكن ضمن الفريق الخاص بهذه القضية، كما أن هذا الثلاثي: المحقق جونغكوك، المحققة ماڤيس، والضابط باڤيل، كان من ضمن أفضل الأفراد في المدينة بأكملها. لن يصعب عليهم حل قضية كهذه، فاكتفى كايو باستراق النظر إلى أخيه الهادئ بين الحين والآخر.
سألت ماڤيس بفضول حقيقي: "من الذي اكتشف الجريمة وأبلغ الشرطة؟"
أجاب باڤيل بهدوء: "مارتن بارتو..."
تردد الاسم في أذهانهم للحظات، ثم قطبوا حواجبهم جميعاً. كايو كان أول من تذكر صاحب الاسم، لكنه لم يقل شيئاً، لم يشأ التدخل في شيء لا يخصه.
نظر إلى أخيه مطولاً، ثم خفض رأسه بسرعة عندما التقت عيناه بعين باڤيل التي نظرت إليه.
تأمله باڤيل مستغلاً انشغال المحققين بالتفكير. علاقته بكايو أثناء العمل كانت باردة جداً، وكان يعرف أنه هو السبب. قبل سبع سنوات، عندما بدأ كايو العمل معهم في القسم، أخبره باڤيل في الليلة التي سبقت أول يوم له ألا يخبر أحداً عن كونهم أخوة.
لم يشأ باڤيل أن يتهم أحد من الزملاء شقيقه بالدخول إلى القسم بالواسطة، فكايو كان رجلاً ذكياً ودقيق الملاحظة، ودخل القسم بقدراته الخاصة فقط.
كايو يفهم هذه النقطة جيداً، لكنه ربما أساء التعامل معها. فقد أصبح بارداُ جداً في تعامله مع أخيه أثناء العمل، لدرجة أن البعض بدأ يعتقد أن بينهما عداوة خفية، وهو ما لم يكن باڤيل يرغب فيه أبداً.
بينما هما خارج العمل، شقيقان محبان وعلاقتهما ممتازة. بل إن باڤيل يتعامل مع كايو كأنه ابنه وليس شقيقه الأصغر، من شدة حبه له وتعلقه به.
تذكر جونغكوك هذا الرجل أيضاً، مارتن بارتو، لكنه لم يعرف كيف يصيغ معرفته بالاسم. سبقته ماڤيس قائلة بتفكير عميق: "أليس ذلك الرجل، الذي تم اتهامه قبل عدة سنوات بالاعتداء على طفلة؟"
همهم باڤيل وأجاب بصوت خفيض: "صحيح، لكن تمت تبرئته فيما بعد."
كان جونغكوك يفكر في تلك الحادثة القديمة. في تلك الفترة، حدثت فوضى عارمة في البلاد، وأراد الجميع إعدام مارتن بارتو دون محاكمة. لكن بعد تبرأته، هدأت الأوضاع تدريجياً. قال باڤيل موضحاً: "إنه يعيش على بُعد شارعين من هنا." لم يكن ذلك غريباً.
حسب ذكريات جونغكوك، مارتن كان رجلاً فقيراً جداً. استغله أحد الآباء بتهمة الاعتداء على ابنته، فقط ليربح بعض المال منه مقابل التنازل عن القضية.
لكن مع التحقيق، اكتشف الأب أنه فقير ولا يملك المال، فحاول التراجع عن القضية وادعى أنه يسامح مارتن. لكن الأمر كان قد خرج بالفعل من تحت سيطرته، واكتشفت الشرطة أن الادعاء كان كاذباً بالكامل، وتم توجيه عدة تهم إلى أب الطفلة بدلاً من ذلك.
كان باڤيل يتذكر هذه التفاصيل أيضاً بوضوح، لأنه كان الضابط المسؤول عن القضية في ذلك الوقت.
همهم باڤيل، ثم قال بهدوء: "ما رأيكما؟"
نظر جونغكوك إلى ماڤيس للحظة قصيرة، وكانت هي تنظر إليه في نفس الوقت. تبادلا نظرة سريعة، ثم التفت جونغكوك إلى باڤيل وقال بثقة: "سننتظر تقرير الطب الشرعي."
في داخله، كان يعرف أن الانتظار هو القرار الصحيح. لا فائدة من التسرع في قضية معقدة كهذه، فالتقرير سيمنحهم معلومات دقيقة عن الجريمة: نوع الأداة المستخدمة، زاوية الطعنة، ربما حتى بصمات أو عينات تحت الأظافر. بدون هذه التفاصيل، سيكون التحقيق مجرد تخمينات في الظلام.
ماڤيس فهمت ذلك أيضاً، بل كانت قد وصلت إلى نفس النتيجة قبل أن يتحدث جونغكوك. أدارت وجهها نحو باڤيل وقالت بصوت واضح: "انتظار التقرير أفضل، سيمنحنا بعض المعلومات الأساسية لنتمكن من استخدامها في التحقيق."
همهم جونغكوك في الخلف موافقاً عليها. لم يقل شيئاً، فقط أومأ برأسه مرتين، وعيناه لا تزالان مثبتتين على الملف بين يديه.
نظر باڤيل إليهما للحظات، ثم همهم بصوت خفيض: "جيد. سننتظر."
كان الليل قد ألقى ظلاله على المبنى عندما خرج جونغكوك من القسم، بخطوات ثقيلة من تعب اليوم الطويل. اتجه نحو الكراج تحت الأرض، حيث صمت السيارات المنتظرة هناك كان مريحاً بعد كل تلك الضجة.
ثم رآها. سيارته المتواضعة، ذات اللون الرمادي الباهت، المتسخة قليلاً من جهة اليمين، متوقفة بجوارها سيارة رولز رويس بيضاء عاجية، تلمع تحت ضوء الكراج الخافت كجوهرة بين قطع الفحم. كانت سيارة ماڤيس، بالطبع.
اقترب جونغكوك منها ببطء، عيناه تنتقلان على هيكلها الأملس. من النافذة، أمكنه رؤية المقاعد الداخلية البرتقالية الفاخرة، الجلدية اللامعة، لوحة القيادة المزودة بأحدث التقنيات.
كانت السيارة بأكملها تصرخ بالثراء، تهمس بالطبقة التي ولدت فيها ماڤيس ونشأت عليها.
ابتسم بسخرية مريرة. سيارته كانت صغيرة، تكاد بلا قيمة أمام هذا العملاق الهادئ. حتى لونها كان باهتاً، كما لو أنه يستحي من الوقوف بجانب تلك البياض العاجي المتألق.
للحظة، شعر بانزعاج غريب يتملص في صدره. ليس حسداً، لم يكن يحسدها على مال أبيها. لكنه شعر بالفرق بين عالميهما، ذلك الفرق الذي يتلاشى أحياناً عندما يتجادلان كطفلين، ثم يعود ليضربه على وجهه فجأة في لحظة كهذه.
هز رأسه بتذمر، يحاول إبعاد الفكرة عن ذهنه. ثم مشى إلى سيارته، فتح الباب بصوت صرير خفيف، جلس في مقعده الجلدي، وأغلق الباب بقوة أكبر مما ينبغي.
ظل جونغكوك يقود سيارته البسيطة في شوارع المدينة الليلية، وأضواء الشوارع تتساقط على وجهه ثم تختفي، تتساقط ثم تختفي.
كان يفكر… يفكر في حالته المادية التي طالما حاول ألا يفكر فيها كثيراً.
يعمل محققاً منذ سنوات طويلة. سنوات من الجهد المتواصل، من الليالي البيضاء، من القضايا التي استنزفته جسدياً ونفسياً.
في البداية، كان راتبه بالكاد يكفيه ليعيش. وكان فقيراً حقاً، ليس فقر "لا أستطيع شراء سيارة فاخرة"، بل فقر "هل سأتمكن من دفع الإيجار هذا الشهر؟".
كان يجمع راتبه قطرة قطرة. يبخل على نفسه حتى في الطعام، أيام من الرامين المتكرر، أيام من تخطي وجبات العشاء. كان يحلم بشيء واحد فقط: شراء بيت في حي جيد، حي ليس بالراقي، فقط جيد بما يكفي ليشعر أنه تقدم خطوة إلى الأمام. حي لا يخجل منه إذا زاره زميل في العمل.
لم يكن يرغب في البقاء في ذلك الحي الشعبي الذي كان يستأجر فيه، حيث الجدران متشققة والجيران يسمعون كل شيء. لم يكن يخجل من وضعه، لكنه كان يريد أن يثبت لنفسه أولاً أنه قادر على الصعود.
وبعد سنوات من الادخار والتعب، اشترى منزله. ذلك المنزل الصغير الذي يفتخر به رغم بساطته.
لكن ثمنه كان إفلاسه التام. كل ما ادخره ذهب في دفعة أولى وأقساط شهرية. بدأ من الصفر مجدداً، يجمع، يبخل على نفسه، يأكل الرامين مجدداً.
والآن، بعد كل هذه السنوات، لديه مبلغ جيد في حسابه. مبلغ يجعله يشعر بالأمان نسبياً. مبلغ كان ليشعره بالفخر لو لم يكن يعرف ماڤيس.
لكنه يعرفها. يعرف سيارة رولز رويس البيضاء. يعرف شقتها في أرقى أحياء المدينة. يعرف عطورها الجديدة كل يومين، وأحذيتها ذات النعال الحمراء، وملابسها التي لا يجرؤ حتى على سؤال نفسه عن أسعارها.
مبلغه المتواضع بدا أمام ثرائها كقطرة مطر تسقط في محيط.
تنهد جونغكوك بعمق وهو يتوقف عند إشارة حمراء. أضواء الشارع انعكست على وجهه المتعب، وأغمض عينيه للحظة.
ليس حسداً، كرر في رأسه. ليس حسداً. لكنه شعور بالظلم الصغير، ذلك الشعور الذي يعرفه كل من عمل بجد لسنوات ثم نظر بجانبه فرأى شخصاً ولد في قصر وهو يكافح لبناء كوخ.
فتح عينيه حين تحولت الإشارة إلى الأخضر، وضغط على دواسة البنزين.
وصل جونغكوك إلى المنزل بعد منتصف الليل بقليل. أوقف السيارة في موقفها الصغير أمام المبنى، وأطفأ المحرك. للحظة، جلس في صمت، ينظر إلى الواجهة المعتمة لمبنى شقته.
كل الأنوار كانت مطفأة عكس جيرانه. ليس مستغرباً. جيرانه لديهم حياة، لديهم عائلات يسهرون معهم، أما هو فليس لديه أحد.
صعد الدرج بهدوء، ومفاتيحه تصدر صوتاً خفيفاً وهو يبحث عن مفتاح باب شقته. فتح الباب، دخل، ثم أضاء المصباح.
البيت كان موحشاً… ليس لأنه غير مرتب، بل لأنه مرتب أكثر من اللازم. كل شيء في مكانه. الأريكة مصفوفة بزوايا حادة، الأطباق نظيفة وجافة في المجفف، لا يوجد كوب نصف ممتلئ متروك على الطاولة، لا يوجد زوج من الأحذية ملقى عند الباب.
بيت رجل يعيش وحده. تنهد جونغكوك وهو يخلع سترته ويعلقها على الشماعة خلف الباب. خلع حذاءه ووضعه بجانب الباب، حذاء واحد فقط إلى جانب الحذاء الآخر.
مشى إلى الحمام بخطوات ثقيلة. فتح الماء الساخن وتركه يتدفق على جسده، واقفاً تحت الدش دون حركة، يستمع فقط إلى صوت الماء وهو يصطدم بالأرضية.
خرج بعد عشر دقائق، ومنشفة ملفوفة حول خصره، شعره لا يزال مبللاً. ارتدى سروالاً بيتياً رمادياً وقميصاً فضفاضاً، ثم توجه إلى المطبخ.
الثلاجة أضاءت وجهه حين فتحها. نفس المشهد المعتاد: علب رامين مكدسة، بعض البسكويت، ماء. أخرج علبة رامين، ملأ قدراً بالماء ووضعه على النار. أثناء الغليان، وقف منتظراً، عيناه على الفقاعات الصاعدة من الماء، لكن عقله كان في مكان آخر.
بعد دقائق، حمل طبق الرامين الساخن ومشى إلى غرفة المعيشة. جلس على الأرض أمام الطاولة المنخفضة، وضع الطبق بحذر، ثم نظر حوله.
الغرفة هادئة جداً. التلفاز مغلق، النوافذ مغلقة، حتى صوت الساعة على الحائط بدا عالياً جداً في هذا الصمت.
أمسك بعيدان الطعام، بدأ يأكل ببطء. الرامين ساخن، يحرق فمه قليلاً، لكنه لم يكترث، و واصل الأكل بهدوء.
توقف جونغكوك فجأة عن الأكل، وبقيت عيدان الطعام معلقة في الهواء قبل أن يضعها بجانب الطبق. تذكر حاسوبه.
نهض من مكانه بسرعة، وتوجه إلى غرفة نومه حيث يضع حاسوبه المحمول على مكتب صغير في الزاوية. أحضره، وعاد به إلى الطاولة المنخفضة في غرفة المعيشة، جلس القرفصاء مرة أخرى، فتح الغطاء، وانتظر حتى أضاءت الشاشة.
ضوء الشاشة الأزرق انعكس على وجهه في غرفة المعيشة المظلمة تقريباً، والمصباح الوحيد خلفه ألقى بظلال طويلة على الجدار.
فتح الإيميل… رأى رسالة من شقيقته.
يُتبع...
الفصل التالي الفصل السابق الفهرس


تعليقات
إرسال تعليق
فيلومينا